ندرة اليازجي
عندما نتأمل الحركات الفلسفية والشعرية التي انتنا من الشرق بوجه عام ، ومن الهند بوجه خاص، والتي بدأت تنتشر في أوروبا ، نكتشف فيها نتائج ، هي حقائق عميقة جدا ، تتباين مع ضالة النتائج التي توقفت عندها العبقرية الاوروبية أحيانا ، الأمر الذي يجعلنا نجثو أمام النتائج التي بلغها الشرق، ونشاهد في هذا المهد الذي ولد فيه الجنس البشري الوطن الاصلي والطبيعي لاسمى ما انت به الفلسفة ..
فکتور کوزان
ان الزمت نفسي على التساؤل عن الادب الذي ننهل منه : نحن الاوربيون ، الذين نشأنا وتغذينا ، على وجه الحصر تقريبا ، من أفكار اليونان والرومان ، ومن عرق سامي ، هو اليهودية ، لنستنتج الاصلاح الذي نتوخاه ، ولنجعل حياتنا الداخلية أكثر كمالا ، واكثر شمولا ، وأوسع ادراكا ، وأكثر انسانية ، والتحقق حياة ، لا تتصل بحياتنا الارضية فحسب، بل تتصل بحياة أزلية وجليلة – الأشرت إلى الهند .
ماکس موتار
تشتمل دراستنا هذه على الموضوعات التالية :
- عصور الفكر الهندي
- المزايا العامة للفكر الهندي
- روح الفلسفة الهندية وقيمتها
- الثقافة الهندية عبر مراحل تطورها وتعدد مدارسها
۱ – عصور الفكر الهندي
تقتضى الضرورة ، ونحن نبحث فلسفة الهندوس بوصفها فلسفة متميزة عن فلسفات الجماعات الأخرى التي تحتل مكانها في الهند ، أن نجدا تبرير ما للعنوان الذي يعرف بـ ” الفلسفة الهندية » فالهند ، في يومنا الحاضر ، هندوسية بالدرجة الأولى . لذا ، ينحصر اهتمامنا في هذا البحث بتاريخ الفكر الهندي حتى الألف الأولى بعد المسيح ، وقد يمتد بعد هذه الفترة قليلا . ويعود تركيزنا على هذه الفترة الزمنية التي بلغها تطور الفكر الهندي الى ان كنوز الهند الفكرية بدأت تتصل اكثر فاكثر مع كنوز الفكر غير الهندية .
ظلت قوة الروح الهندية تمارس تأثيرها المحدود على الشعوب المختلفة التي حملت معها مواهبها في أزمنة مختلفة ، ليتشكل النمو المستمر للفكر الهندي . وبالفعل ، لا يمكننا أن نتأكد من التطور أو النمو الزمني الدقيق بل يمكننا أن ننظر الى الفكر الهندي من وجهة النظر التاريخية . لذا ، يتطلب الأمر منا أن نأخذ بعين الاعتبار عقائد المدارس الخاصة على نحو كلي ، على الرغم من اتصالها ببيئتها ومحيطها . وما لم ننظر اليها هذه النظرة الكلية ، فاننا نفقد اهتمامنا بها وتصبح تقاليد ميتة . فكل منهج فلسفي يعد اجابة على سؤال وضعي وتعييني طرحه كل عصر على ذاته ،
وينطوي على شيء من الحقيقة عندما ينظر اليه من زاوية النظر الخاصة به . فالفلسفات الهندية ليست مجموعات اقتراحات او افتراضات حاسمة أو خاطئة ، بل هي تطور وتعبير عن عقل يتوجب علينا أن نحيا معه وفيه . وتتأكد هذه الحقيقة ان كنا نتوخي أن نعرف كيف صافت المناهج ذاتها. وبالاضافة الى ذلك ، يتوجب علينا أن ندرك تضامن الفلسفة مع التاريخ والحياة الفكرية مع الظروف الاجتماعية . لذا يتطلب منا المنهج التاريخي الا نتحيز الى خلاف أو جدال المدارس ، بل أن نتبع تطورها بلا تحيز وبتجرد كبير ..
ولما كنا نلقي أهمية كبرى على المنظور التاريخي ، فاننا نأسف ، بسبب ما طرأ من اهمال في تتبع تسلسلات الجدول الزمني – التاريخي للكتابات ، أن نقول بأنه لا يمكننا أن نحدد بدقة التواريخ النسبية للمناهج . وعلى هذا الاساس اللا تاريخي ، أو الفلسفي – الفوقي ، تأسست طبيعة الهندي القديم ، بحيث نعرف الكثير عن الفلسفات أكثر مما نعرف عن الفلسفات ذاتها ، ولكن التاريخ الهندي اعتمد أساسا أفضل بعد ولادة بوذا فقد عاصر نشوء البوذية توسع السلطة الفارسية الى الاندوس على أيام سلالة أخمنيد . ويقال ان هذا التوسع كان أصل المعرفة الأولى التي تسربت من الهند الى الغرب على يد هيرودوتس وهيكاتوس .
تنقسم عصور الفكر الهندي الى أربعة رئيسية :
۱ – العصر الفيدي ( ١٥٠٠ – ٦٠٠ ق . م ) . تغطي هذه المرحلة فترة استقرار الآريين واستيطانهم ، وتوسعهم التدريجي ، وانتشار حضارتهم وثقافتهم . ولقد شهد هذا العهد نشوء جامعات الغابة ، حيث تطورت بدايات المثالية المتسامية الهندية . ونجد في هذا العصر أطوارا متتابعة للفكر ، تميزت فيها المانتراس أو الاناشيد ، والبراهماناس ،والاوبانیشاد .. والافكار المطروحة في هذه المرحلة ليست فلسفية بالمعنى العلمي للكلمة .. لذا ، عرف هذا العصر بأنه عصر يتلمس طريقه، وتتصارع فيه المعتقدات الخرافية مع الفكر .. وفي سبيل تنظيم الموضوع وتوضيحه واستمراريته ، يتوجب علينا أن نبدأ بالحديث من وجهة النظر المتضمنة في اناشيد الرج – فيدا ، ونناقش وجهات نظر الاوبانیشاد .
٢- العصر الملحمي ( ٦٠٠ ق . م – ۲۰۰ ب.م ) .. يمتد تطوره خلال الفترة الواقعة بين أوائل الاوبانيشاد والدارسانا أو مناهج الفلسفة. وتمثل ملاحم الرامايانا والمهابهاراتا الاقنية التي تم عن طريقها نقل الرسالة الجديدة التي تشير الى تطبيق البطولة والالوهة في العلاقات البشرية وفي هذه الفترة يتجلى ظهور أفكار الأوبانيشاد في البوذية والبها جفاد جينا. وتنتمي مناهج البوذية ، والجانتية ، والسايفيتة والفاينية الى هذا العصر . ويعود تطور الفكر المجرد الذي بلغ أوجه في مدارس الفلسفة الهندية والدارسانا الى هذه الفترة ايضا ، ولقد أسست غالبية المناهج بداياتها الأولى في الفترة التي نشأت فيها البوذية ، وتطورت جنبا الى جنب خلال عصور عديدة. ومع ذلك ، تنتمي الكتابات المنهجية للمدارس الى فترة لاحقة .
۳ – عصر السوترا ( من ۲۰۰ ب.م ) .. لما كانت معالجة مجموعة المواد غير ناجحة على نحو مرض ، فقد اقتضت الضرورة احداث مخطط وجيز للفلسفة . وقد تم اختصار أو تلخيص هذه المجموعة في صورة السوترا . وجدير بالذكر أن فهم هذه السوترا غير متوفر بدون الشروحات والتعليقات المرتبطة بها ، الأمر الذي جعل هذه الشروحات أكثر أهمية من السوترا ذاتها . وفي هذه الفترة ، تطور الموقف النقدي في الفلسفة وعلى الرغم من أن الفترات السابقة تميزت ببحوثها ومناقشاتها الفلسفية
لكن العقل لم ينفصل في تقبل ما حدثته به مجموعات المناهج . ومع ذلك ، احاط هذا العقل بالموضوع ، وأجاب على الاعتراضات التي تقدم عليها ، وبحدس مؤات انتقى المفكرون بعض المبادئ العامة التي بدت لهم وكأنها توضح أو تشرح مظاهر الكون كلها . وعلى الرغم من عمق ودقة التأليفات الفلسفية ، فقد عانت ، طوال تلك الفترة ، من خلل تجلى في انها نقدية مسبقة ، بالمفهوم الكانتي للكلمة . لقد نظر العقل الى العالم وبلغ استنتاجاته بدون نقد مسبق للقدرة الانسانية على حل المعضلات الفلسفية . فالجهود الأولى لفهم العالم وشرحه لم تكن ، على وجه الحصر، محاولات فلسفية ، طالما أنها لم تشغل ذاتها بأية ارتيابات حول جدارة العقل البشري أو فعالية الوسائل والمعايير المستخدمة ، وعندما نأتي الى السوترا ، نجد أن وعي الفكر قد أصبح ذاتيا ، ولم يبق مجرد خیال قائم على الاستدلال والاستنتاج ، وعلى الحرية الدينية . لذا ، لا يمكننا أن نتحدث عن تقدم منهج على آخر في سياق التاريخ . فهنالك اسنادات ترافقية امتدت طيلة هذه الفترة. فاليوغا تعترف بالشامكيا، والفايسيسيكيا تقر بالنيايا والشنامكية . وتشير النيايا إلى الفيدانتا والشامكيا . وتعترف الميمامسا ، على نحو مباشر وغير مباشر ، بالوجود السابق لكل المناهج الاخرى وهذا ما تعترف به الفيداننا ، والفايسيسيكا والنيايا . وهذا ما يدفعنا الى القول بأن فترة السوترا لا تتميز كثيرا عن الفترة المدرسية للتعليقات والشروح ، بحيث أن الفترة الواقعة بينهما تمتد حتى العصر الحاضر
٤- العصر المدرسي : يعود تاريخه الى القرن الثاني بعد المسيح .
ويستحيل علينا أن ترسم خطاً دقيقاً بين هذه الفترة وتلك التي سبقتها . ففي هذه الفترة ، نجد أسماء حكماء كبار أمثال كوماريلا ، وشانكرا ، و شريدها را ، ورما مانوجا و مادهانا الخ .. ولقد تميز ادب هذه الفترة بجدليته العامة ، واننا نجد نوعا من المدرسين البارعين في الجدل منغمسين في نظريات دقيقة ومناقشات حاذقة ، يتنازعون بشدة حول طبيعة القضايا الكلية المنطقية . وعلى الرغم من دقتهم وحماستهم ، يخشى عدد كبير من الهنود أن يلقوا نظرة على مجلداتهم لانها تربكهم أكثر مما تنيرهم . فقد استعاض أولئك الجدليون في كتاباتهم بالكلمات عوض الافكار ، وأحلوا المنطق الجدلي محل الفلسفة . وهكذا يتعين غموض الفكر ، وحذاقة المنطق ، وحساسية المزاج ، في النموذج الاسوا للتعليقات والشروح . وبالطبع ، يقيم النموذج الافضل تقييما فخما يعادل فخامة المفكرين الاقدمين . وان معلقين أو شارحین ، امثال شانکارا در امانوجا ، ينادون بالعقيدة القديمة ويعترفون بصحتها ، الأمر الذي يجعل اقرارهم هذا يعادل الكشف الروحي الذي تميز به الحكماء القدامي .
۲ المزايا العامة للفكر الهندي :
تعد الفلسفة الهندية روحية في جوهرها . ولا نبالغ اذا قلنا أن الروحانية الهندية العاطفية ، وليس البنية السياسية العظمى والتنظيم الاجتماعي الذي طورته الهند، هي التي مدت هذه البلاد بقدرة على الوقوف في وجه كوارث الازمنة وأحداث التاريخ .. فالغزوات الخارجية والخلافات الداخلية قضت على حضارتها مرات كثيرة ، فقد حاول الاغريق ، والاسكيثيون ، والفرس ، والمغول ، والفرنسيون ، والانكليز اخضاع الهند ، لكن حضارتها ، رغم ذلك ، ظلت متألقة ، وبالفعل ، لم تستسلم الهند في نهاية الأمر ، وظل بريق روحها متوهجا . قالهند ، كانت وما زالت ، تحيا تاريخها لتحقق هدفا واحدا فقد ناضلت من اجل توطيد قاعدة الحقيقة ومقاومة الخطأ . ويحتمل أن تكون الهند قد أخطأت أو تخبطت في تصرفها ، لكنها ، مع ذلك ، تصرفت وفق ما أحست بأنها قادرة على فعله ومدعوة الى القيام به . لذا ، يشير تاريخ الفكر الهندي الى البحث العقلي الدائم ، الموصل في القدم دائما ، والحديث دائما يلاحظ كل من يدرس الفكري الهندي أن الدافع الروحي يهيمن على الحياة العامة في الهند .. فالفلسفة الهندية تهتم بما ينتاب الانسان من أفكار ، ولا تجد ملاذها في العزلات الخيالية . فهي فلسفة متأصلة في الحياة ، نشأت منها وتعود إليها عبر المدارس ، لذا ، لا تتصف الكتابات العظيمة المتصلة بالفلسفة الهندية بتلك الميزة المتعالية التي تجلى مظهرها في التعليقات والانتقادات المتأخرة. وبالفعل ، لا تغترب الجيتا والاوبا نيشاد كثيرا عن المعتقد الشعبي . فهما أدب البلاد الممتاز ، وأدوات مناهج الفكر العظيمة . وتشتمل البوراناس على الحقيقة التي ترتدي لباس الاساطير والقصص ، وذلك لكي تتوافق مع الفهم البسيط عند غالبية الشعب هكذا نرى أن المهمة الشاقة التي تنجزها الهند تتمثل في جذب اهتمام الجماهير الى المتافيزياء .
وعلى هذا الاساس ، يجاهد مؤسسو الفلسفة في سبيل اصلاح اجتماعي – روحي للبلاد . ولئن اصطلح على تسمية الحضارة الهندية بأنها حضارة براهمانية ، فلان هذه التسمية تشير الى أن ميزتها أو شخصيتها الرئيسة ودوافعها السائدة تتعين عن طريق مفكريها الفلاسفة وعقولها المتدنية ، رغم أن هذه العقول وأولئك المفكرين لا ينتمون بولادتهم الى أصل براهماني . وان ما تمارسه الهند يتجلى في قول افلاطون بوجوب استلام الفلاسفة ادارة البلاد وسلطتها . فالحقائق القصوى هي حقائق روحية ، والحياة الواقعية ترق وتسمو في ضوء هذه الحقائق ..
هكذا نرى أن الدين في الهند لا يتصف بالدوغماتية – العقائدية . فهو تأليف عقلي يضم اليه ، ويجمع في ذاته ، على نحو دائم تصویرات ومفاهيم جديدة خلال التطورات الفلسفية . هو اختباري ومؤقت ، أو شرطي ، في طبيعته ، يعمل على مجاراة التقدم الفكري لكي لا يتخلف عنه . أما النقد الشائع الذي يشير الى أن الفكر الهندي ، بتشديده على العقلانية ، يحل الفلسفة محل الدين ، فهو قضية تظهر الصغة الفكرية والعقلانية للدين في الهند . والحق يقال ، ان الحركات الدينية لم تظهر الى الوجود بمعزل عن مضمون فلسفي ، يدعم موقفها . ويذكر هافل في كتابه « الحكم الآري في الهند » ما يلي : « الدين في الهند يفقد من زمام العقيدة ، هو فرضية فاعلة توجه السلوك البشري ، تتكيف وتتلاءم مع مراحل مختلفة للنمو الروحي وظروف الحياة المختلفة » . ومتى اتجه الدين الى التبلور في معتقد ثابت ، انبثقت الى الوجود نهضات روحية وفلسفية ، هي ردود أفعال ، تعيد المعتقدات الى بوتقة النقد الذي يدافع عن الحقيقة ، يبررها ويثبتها ، ويصرع الباطل . ونلاحظ ، مرة تلو مرة، أن انبثاق بوذا ، أو ماها فيرا ، أو قياسا أو شانكارا ، يحرك أعماق الحياة الروحية ، حينما تبلغ المعتقدات التي يعترف بها التقليد درجة تصبح فيها غير وافية بالقصد من وضعها . وتكون لحظات هذا الانبثاق اشراقات عظيمة في تاريخ الفكر الهندي ، وفترات تتميز باختبار داخلي ، ورؤية تهز اعماق الانسان وتوجهه الى انطلاق جدید باتجاه مغامرة حديثة . أذن ، فالعلاقة الصميمية القائمة بين حقيقة الفلسفة وحياة الشعب اليومية تمد الدين دائما بالحيوية والحقيقة الواقعية .
وجدير بالقول ، أن معضلات الدين تحرض الروح الفلسفية . فقد تمرس العقل الهندي على نحو تقليدي بقضايا طبيعة الألوهة ، وغاية الحياة ، وعلاقة الفرد بالروح الكلية ، وعلى الرغم من أن الفلسفة في الهند لم تتحرر كليا من فتنة التأمل أو التفكر الديني ، لكن المباحثات الفلسفية لم تتقيد بالاشكال الدينية . لذا ، لم يختلط أحدهما بالآخر . ولما كانت العلاقة بين النظرية والممارسة وثيقة الصلة ، فان الفلسفة التي تعجز عن الصمود امام اختبار الحياة لا حظ لها في البقاء . وبالنسبة للذين يحققون الصلة الحقة بين الحياة والنظرية ، تصبح الفلسفة طريق حياة ، وتقربا من التحقيق الروحي . وبالفعل لم يكن اي تعليم ، بما فيه الشامكيا ، مجرد كلمات يتفوه بها المرء ، أو عقيدة للمدارس . فقد تحولت كل عقيدة الى اقتناع متقد يحرك قلب الانسان ويحثه على التفكير
لا يحق لنا أن نقول أن الفلسفة الهندية لم تصبح داعية لذاتها أو نقدية . ففي مراحلها الأولى ، نزع التفكير العقلي الى تصحيح وتصويب المعتقد الديني . وهذا ما نلاحظه في تطور الدين المتضمن في تقدمه انطلاقا من أناشيد الفيدا الى الاوبانيشاد .. وعندما نصل الى البوذية ، تصبح الروح الفلسفية موقفا تعيينيا للعقل الذي لا يميل ، في القضايا الفكرية ، الى أي مرجع خارجي أو سلطة خارجية ، ويأبى أن يضع حدا لتأمله وتفكيره ، ما لم يكن هذا الحد نتيجة منطقية . وعندئذ يتأمل في الاشياء كلها ، ويختبر كل الاشياء ويتابع مسيره ، دون خوف ، الى حيث يقوده البحث . وعندما نبلغ الدارسانا العديدة أو مناهج الفكر ، تتكشف لنا الجهود الجبارة المثابرة في الفكر المصوغ في مجموعة متماسكة من الفكرات . وإن انعتاق المناهج أو الطرائق من النهج التقليدي والمحاباة والانحياز . يتوضح في واقع ان الشامكيا تلوذ بالصمت من طرحت قضية وجود الحقيقة السامية ، وذلك على الرغم من يقينها من إقامة الدليل على وجودها نظريا ، أما الفايسيسيكاد واليوغا فانهما تعترفان بوجود كائن اسمى ، لكنهما لا تعتر فان بأنه خالق الكون . ويشير جاميني الى وجود الحقيقة السامية وينكر تدبيرها أو عنايتها وحكمه الخلقي للعالم وعرفت المناهج البوذية الأولى بأنها تقف من الحقيقة السامية موقف اللا مبالاة . لكن منهج الكارفاكا المادي ، ينكر وجود الحقيقة السامية ، يهذا من رجال الدين ، ويشتم الفيدا ويسعى الى الخلاص في اللذة .
هكذا نرى أن سيادة الدين والتقليد الاجتماعي في الحياة لا يعيقان البحث الفلسفي الحر . ومما لا شك فيه ، أن مثل هذا الوضع يبدو متناقضا في ظاهره . فالفرد قادر على ممارسة حريته في عالم الفكر في الوقت الذي يجد نفسه موثوقا بصرامة النظام الطبقي . وعلى هذا الاساس ، يتساءل العقل عن حقيقة وجوده بحرية ، وينتقد المعتقدات التي تكبل الانسان منذ ولادته . ويمكننا القول إن هذا هو السبب الذي يدعو كلا من الهرطوقي ، والملحد ، والخارج عن نطاق الايمان ، والعقلاني ، والمفكر الحر ، والمادي ، والقائل بمذهب اللذة أن يزدهر في تراب الهند تقول المهابهاراتا : « ليس ثمة إنسان لا يمتلك فكرة خاصة به »
يعد ما ذكرنا أعلاه دليلا على العقلنة العميقة التي تميز بها الفكر الهندي الذي يسعى الى معرفة الحقيقة الداخلية وقانون جوانب النشاط البشري كلها . ولا يقتصر هذا الدافع العقلاني على الفلسفة واللاهوت ، بل هو يمتد الى المنطق وقواعد اللغة ، والبلاغة ، واللغة ، والطب والفلك ، وكل الفنون والعلوم ، انطلاقا من فن العمارة الى علم الحيوان . وهكذا ، يصبح كل ما هو مفيد للحياة أوهام للعقل موضوعا للبحث والتقصي والنقد يمكننا أن نقول إن المحاولة الفلسفية لتحديد طبيعة الحقيقة تبدأ بأحد أمرين : الذات المفكرة أو موضوعات الفكر . لكن الأمر مختلف في الهند : يكمن اهتمام الفلسفة في ذات الانسان . ففي اللحظة الذي تتحول الرؤية ، الى عالم الخارج ، يشغل اندفاع الاحداث المتسارعة العقل وفي داخل الانسان تكمن الروح التي هي مركز كل شيء ؛ ويعد علم النفس وعلم الاخلاق العلمين الاساسيين ، وهكذا ، ترسم حياة العقل في تنوعها المتحرك والمتحول كله . ولقد حقق علم النفس الهندي قيمة التركيز واعتبره وسيلة إدراك الحقيقة ، ويقر علم النفس الهندي ان رتب صفوف الحياة أو العقل قابلة للتحقيق والادراك من خلال تدريب منهجي للارادة والمعرفة . وهكذا ، يعترف علم النفس الهندي بالصلة الوثيقة بين العقل والجسد . فالاختبارات النفسية ، مثل التليائي والاستبصار ، لا تعد ، في نظر علم النفس الهندي ، عجائبية أو شاذة أو خارجة عن الطبيعة .. وليست هي نتاج العقول المريضة أو حصيلة إلهام يصدر عن الآلهة : هي قدرات يستطيع العقل الانساني في إظهارها في حالات محققة بالاختبار والتجربة . والواقع ، هو أن عقل الانسان يمتلك المعالم الثلاثة للاوعي ، والوعي الفوقي . أما الظاهرات النفسية ( الشاذة » التي يطلق عليها أسماء مختلفة مثل : الغيبوبة ، العبقرية ، الالهام ، الجنون ، فهي مؤشرات الأعمال العقل الفوقي . واذا كانت المناهج العديدة تشير الى هذه المعالم وتستخدمها من اجل مقاصدها ، فان منهج اليوغا للفلسفة يعالج هذه الاختبارات على نحو خاص .
تقوم المنظومات المتافيزيائية على مجموعة القضايا المسلمة في علم النفس لذا كان النقد الموجه الى المتافيزياء الغربية بأنها وحيدة الجانب قضية غير مبررة ، طالما أن انتباهها يتركز على حالة اليقظة وحدها . هنالك حالات أخرى للوعي تؤخذ بعين الاعتبار تماما كما تؤخذ اليقظة وهكذا ، يعتبر الفكر الهندي حالات اليقظة ، والحلم والنوم بلا حلم ، واذا ما تقصينا حالة الوعي أثناء اليقظة واعتبرناها الحالة الكلية ، حصلنا على التصورات الواقعية ، والثنائية والمعقدة للمتافيزياء . ولا شك ، ان دراسة الوعي اثناء الحلم تؤدي بنا الى عقائد فكرية . وتنزع حالة النوم من دون حلم بنا الى نظريات مجردة وسرية . والحق يقال ، إن الحقيقة بكاملها تأخذ حالات الوعي كلها بعين الاعتبار .
وجدير بالذكر أن سيادة الاهتمام الفكري لا يعني أن الهند قد أغفلت العلوم الموضوعية . فاذا ما المعنا الى انجازات الهند الواقعية في نطاق العلم الوضعي ، لرأينا أن النقيض أكيد لقد وضع الهنود القدامى اسس وقواعد المعرفة الرياضية والميكانيكية : قاسوا الارض ، قسموا السنة ، رسموا السموات بتفصيل ، تعقبوا مسلك الشمس والكواكب من خلال نطاق دائرة البروج، حللوا بنية المادة ، ودرسوا طبيعة الطيور والحيوانات والنباتات والبذور . وذكرت الايتاريا براهمانا ما يلي : « الشمس لا تغرب ولا تشرق … . ويذكر مونييه ويليامز في كتابه ( الحكمة الهندية » ما يلي : ” أيا كانت النتائج التي يمكننا الحصول عليها بشأن المصدر الاهلي للافكار الفلكية الأولى السائدة في العالم ، فثمة احتمال أن الفضل في إبداع الجبر وتطبيقه في نطاق الفلك والهندسة يعود الى الهند . وعن الهنود أخذ العرب ليس تصوراتهم الأولى عن التحليل الجبري فحسب ، بل أيضا تلك الرموز العددية القيمة والطريقة العشرية السائدة في كل مكان من أوروبا ، والتي قدمت خدمة جلى لتقدم العلم الحسابي » ويقول كولبروك في ترجمته كتاب ( إبداع بهاسكار في الجبر » ما يلي : « لقد راقب الهنود حركات القمر والشمس بدقة ونجاح ، لدرجة أن حكمهم في مسألة دوران القمر الاقترابي أكثر دقة مما أنجزه الاغريق في هذا . إنهم أبدعوا تقسيم الكسوف والخسوف – الدائرة الظاهرية المسير الشمس – الى ستة وعشرين وسبعة وعشرين قسما ، والموا على الصدد نحو خاص بأبهى الكواكب الرئيسة ، وأدخلوا زمن المشتري ، باقترانه بزماني القمر والشمس ، الى ضبط تقويمهم بصورة دائرة من ستين عاما ، المعروفة من قبلهم ومن قبل الكلدان ) . وفي الوقت الحاضر ، يتأكد الدارسون أن الهنود أدركوا ، في فترة زمنية مبكرة ، كرة ، علمي المنطق واللغة وطوروهما . وفي كتاب ( الادب السنسكريتي » لماكس موللر ، نقرأ ما يلي : في نطاق الطب والفلك والمتافيزياء ، جارى الهنود اكثر الامم استنارة في العالم . فقد بلغوا براعة وتقدما كاملين في الطب والجراحة ، وذلك قبل أن أصبح علم التشريح معروفا من قبلنا عن طريق مكتشفات الباحثين المحدثين » .
والحق يقال إنهم لم يخترغوا الاجهزة الميكانيكية الكبرى . وعوضا عن ذلك ، مدتهم السماء الصافية بمجاري المياه العظيمة وبغزارة الطعام . ومن الأهمية بمكان أن نذكر أن هذه الاختراعات لم تحدث الا في القرن السادس عشر الميلادي يوم فقدت الهند استقلالها لقد تجمدت الهند يوم فقدت استقلالها وبدأت تعبث مع الامم الأخرى . واستطاعت ، حتى ذلك الحين ، أن تحافظ على ما تمتلكه من الفنون والحرف ، والصناعات والرياضيات ، والفلك ، والكيمياء ، والطب ، و الجراحة ، وفروع المعرفة الجسدية التي مارسها الاقدمون . وعرفت كيف تنحت الحجارة ، وترسم الصور ، وتصقل الذهب ، وتحيك الانسجة الثمينة . وطورت كل الفنون الدقيقة والصناعة ، التي تزود ظروف الوجود الحضاري . وعبرت سفنها البحار ، وبلغت ثروتها الى مصر وروما .. واتسمت تصوراتها عن الانسان والمجتمع والاخلاق والدني بالروعة . لذا ، لا يمكننا أن نقول إن الشعب الهندي وجد متعة بالغة في الشعر والاسطورة ، وازدرى العلم والفلسفة ، علما بأن هذا الشعب هدف ، أكثر ما هدف ، الى البحث عن وحدة الاشياء اکثر مما شدد على انفصالها إذا جاز لنا أن نميز بين العقلين التأملي والعلمي قلنا : إن العقل التأملي تأليفي والعقل العلمي تحليلي . ويتجه العقل التأليفي الى خلق فلسفات كونية تشتمل ، في نظرة واحدة شاملة ، على اصل جميع الاشياء ، وتاريخ الازمنة والعصور ، وانحلال العالم وفساده . ويتجه العقل التحليلي الى التريث والتردد عندما يأتي الى دراسة جزئيات العالم ، ويميل الى إغفال الاحساس بالوحدة الكونية . وبالفعل ، ينظر الفكر الهندي الى الوجود من وجهات نظر مجردة ، لا مشخصة ، واسعة ، ويسهل على الناقد اتهامه بأنه أكثر مثالية وتأملا ، وعلى غير ذلك ، يتجه الفكر الغربي الى ان يكون أكثر براجماتية واكثر واقعية ، ويعتمد الفكر الغربي على ما ندعوه الحواس ، كما يعتمد الفكر الهندي على الاحساس الروحي الذي يستفاد منه في خدمة التأمل والتبصر . ولا شك ، أن ظروف الهند الطبيعة هي المسؤولة عن نزعة الهندي التأملية ، الهندي الذي يتسع وقته للتمتع بأمور العالم الجميلة ويعبر عن غنى روحها لانشودة والرواية ، في الموسيقى والرقص ، وفي الطقوس والديانات ، دون أن تزعجه انفعالات العالم الخارجي . فالشرق المتأمل ، الذي يطيل التفكير ، كما يتهمه بعضهم ، لا يخلو بكليته من الحقيقة .
إذن ، فالرؤية التأليفية الهندية هي التي جعلت الفلسفة تشمل علوما عديدة تمايزت في الازمنة الحديثة ، ففي السنوات المئة الاخيرة ، وجدت في الغرب فروع معرفة اشتملت على الفلسفة ، والاقتصاد ، والسياسة ، والاخلاق ، وعلم النفس ، وعلم التربية . لكن الفلسفة ، في زمن افلاطون ، احتوت جميع تلك العلوم التي تتصل بالطبيعة الانسانية وتشكل جوهر اهتمامات الانسان الفكرية والتأملية . وبالطريقة ذاتها ، تحتوي الكتب الهندوسية الدينية القديمة المضمون الكامل للنطاق الفلسفي . ولكن الفلسفة ، في وقت لاحق في الغرب ، أصبحت مرادفة للمتافيزياء ، أو مناقشات المعرفة المبهمة والعميقة ، والكيان والقمية : وأصبح الناس يتذمرون من كون المتافيزياء نظرية على نحو مطلق ، ومن انفصالها من الجوانب التصورية والعملية للطبيعة الانسانية .
واذا كان بامكاننا أن نضع الاهتمام الفكري للعقل الهندي جنبا الى جنب مع نزعته لبلوغ الرؤية التأليفية ، لراينا كيف تصبح المثالية الاحادية حقيقة الاشياء . والى هذه الحقيقة يشير الفكر الفيدي ، وعلى هذه الحقيقة تعتمد ديانتا البوذية والبراهمانية : إنها الحقيقة الاسمى المتجلية في الهند . وبالفعل ، لا تخلو المناهج التي تعلن عن إثينيتها أو تعدديتها من هذه الميزة الاحادية . واذا استطعنا أن نتجرد من تنوع الفكر وتلاحظ الروح العامة للفكر الهندي ، لراينا أنه ينزع الى ترجمة الحياة والطبيعة في ضوء المثالية الاحادية ، وعلى الرغم من هذا الميل مطواع ، حي ومتنوع ، ولكنه يتخذ أشكالا كثيرة ويعبر عن ذاته في تعاليم غير ودية على نحو متبادل هكذا نستطيع أن نشير باختصار الى الاشكار الرئيسة التي اتخذتها المثالية الاحادية في الفكر الهندي ، مهملين التطورات التفصيلية والتقديرات والاستنتاجات النقدية ، ويساعدنا هذا الأمر على تفهم طبيعة ووظيفة الفلسفة كما تدر كان في الهند .
تتمثل المثالية الاحادية في انماط أربعة : 1 – لا اثنينية وادفينا . احادية ضمنية . Σ أحادية معدلة – احادية صافية . ٣
تنشأ الفلسفة من وقائع التجربة . وبعد التفكير المنطقي ضروريا للتأكيد على أحد أمرين يعبر عنهما بالسؤالين التاليين : ١ – هل يقبل جميع الناس الوقائع التي يلاحظها فرد واحد ؟ ۲ هل هذه الوقائع فكرية في حصيصتها ؟ ولا شك أن قبول النظريات مرهون بتفسير الوقائع على نحو مرض . ولقد ذكرنا ان المفكرين الهنود درسوا وقائع العقل والوعي بعناية وانتباه يعادلان العناية والانتباه اللذين أولاهما العلماء المحدثون لدراسة العالم الخارجي . لذا ، تعتمد النتائج الفلسفية لأحادية أدقيتا – اللا إثنينية – على معطيات الملاحظة النفسية .
مراجع البحث :