16
جدول المحتويات

مشهد فني يعبر عن الطريقة الجشتية بجنوب الهند: النشأة والتطور من خلال تقاليد السماع الصوفي والإنشاد الروحي التي أصبحت جزءا مهما من التراث الثقافي والديني في جنوب الهند.
الطريقة الجشتية بجنوب الهند: النشأة والتطور
تُعدُّ الطريقة الجشتية واحدةً من أبرز الطرق الصوفية التي كان لها تأثيرٌ عميق في تشكيل الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية في شبه القارة الهندية. وقد تميّزت هذه الطريقة عن غيرها من الطرق الصوفية
بإعطائها مكانةً خاصة للموسيقى التعبدية باعتبارها وسيلةً للتقرب إلى الله تعالى، وإحياء الذكر، وتهذيب النفس، وإحداث التحول الروحي لدى المريدين.
وقد أسّس الشيخ خواجة معين الدين الجشتي (ت 1236م) هذه الطريقة في الهند بمدينة أجمير، ثم واصل نشرها عددٌ من كبار المشايخ، وعلى رأسهم الشيخ نظام الدين أولياء، والشاعر والموسيقي الشهير أمير خسرو الذي يُعدُّ المؤسس الحقيقي لفن القوّالي بصورته المعروفة اليوم. وقد أصبحت المجالس الموسيقية المعروفة بـ السماع (Samāʿ) جزءاً أساسياً من التربية الروحية داخل الطريقة الجشتية، حيث تُنشَد القصائد في محبة الله ورسوله ﷺ والأولياء الصالحين، وتُستعمل الموسيقى لإيقاظ القلب وإيصاله إلى حالة من الصفاء الروحي والوجد الصوفي. ورغم كثرة الدراسات التي تناولت القوّالي في شمال الهند، فإن الممارسات الموسيقية في المزارات الصوفية بجنوب الهند لم تحظَ بالاهتمام الكافي، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى معالجته.
انتشار الطريقة الجشتية في جنوب الهند
بدأ انتشار الطريقة الجشتية في جنوب الهند خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، متأثراً بالتحولات السياسية التي شهدتها سلطنة دلهي وظهور الدولة البهمنية في الدكن. ويُعدُّ الشيخ خواجة بنده نواز كيسو دراز الشخصية المحورية في هذا الانتشار، إذ هاجر إلى مدينة كلبركة (غلبارغا) سنة 1398م عقب غزو تيمور لدلهي، وهناك أسس خانقاه أصبحت المركز الرئيسي الطريقة الجشتية في جنوب الهند. كما ألّف رسالته المشهورة رسالة السماع التي قدّم فيها تأصيلاً شرعياً لمشروعية الموسيقى التعبدية، وأصبحت مجالس القوّالي جزءاً ثابتاً من احتفالات العرس السنوية التي تستقطب آلاف الزوار.
أما في ولاية تاميل نادو، فقد أسس السيد شاهول حميد ضريحه بمدينة ناغور في القرن السادس عشر، بعد أن منحه الملك الهندوسي أشوتابا ناياك أرضاً لبناء الضريح تقديراً لما نُسب إليه من كرامات. وقد شارك الهندوس في بناء الضريح ورعايته منذ بدايته، مما جعله رمزاً للتعايش الديني في المنطقة. وفي ولاية كيرالا، ارتبط ظهور المركز الجشتي بمدينة كوندوتي بجهود السلطان تيبو سلطان في أواخر القرن الثامن عشر، حيث استقدم الشيخ محمد شاه تنغال لتقوية الروابط مع مسلمي المابيلا، وأصبح مهرجان النير تشا الذي يقام سنوياً أحد أهم المناسبات الدينية التي تجمع بين الطقوس الصوفية والعادات المحلية.
الأساس العقدي للموسيقى في الفكر الجشتي
تستند الطريقة الجشتية في قبولها للموسيقى إلى رؤية صوفية تعتبر أن الصوت الجميل إذا ارتبط بالنية الصادقة والذكر المشروع أصبح وسيلةً من وسائل التقرب إلى الله، وليس مجرد ترفيه أو لهو. وقد دافع كبار مشايخ الطريقة عن هذا المبدأ في مؤلفاتهم، ومن أبرزها كتاب «فوائد الفؤاد» الذي نقل مجالس الشيخ نظام الدين أولياء، وكتاب «سير الأولياء» لأمير خسرو، وكتاب «رسالة السماع» لبنده نواز.
ويُعدُّ السماع من أهم الممارسات الروحية في الطريقة، حيث يجتمع المريدون للاستماع إلى القوّالي بقصد الوصول إلى حالة الوجد، وهي حالة من الانجذاب الروحي يظهر فيها التأثر بالبكاء أو الاهتزاز أو الغيبة عن الإحساس العادي نتيجة استحضار عظمة الله ومحبة رسوله ﷺ. وترى الطريقة أن الهدف النهائي لهذه التجربة هو تحقيق مقام الفناء، أي زوال تعلق النفس بالدنيا وانشغال القلب بالله وحده. وتُستعمل الألحان المتدرجة والإيقاعات المتصاعدة والتكرار المستمر للأذكار والأسماء الإلهية لتقوية هذا الشعور الروحي، حتى يتحول الذكر إلى تجربة وجدانية يعيشها الإنسان بكل كيانه. كما تؤكد الطريقة على ضرورة التمييز بين الموسيقى التعبدية والموسيقى الترفيهية؛ فالعبرة ليست بالألحان ذاتها، وإنما بالمقصد والمضمون والمكان الذي تؤدى فيه. فإذا كانت الكلمات تدعو إلى الله، وأُديت في سياق العبادة والتزكية، فإنها تُعد وسيلةً مشروعةً للذكر.
التقاليد الموسيقية في المزارات الجشتية بجنوب الهند
تُظهر المزارات الجشتية في جنوب الهند قدرةً كبيرة على التوفيق بين التراث الصوفي القادم من شمال الهند والثقافات المحلية. ففي غلبارغا ما زالت القوّالي تُؤدَّى باللغة الأردية الدكنية والفارسية، مع استخدام الآلات التقليدية مثل الهارمونيوم والطبلة والدهولك، إلى جانب بعض الإيقاعات المحلية.
أما في ناغور فقد تطور نمط موسيقي خاص يجمع بين موضوعات التصوف الإسلامي والألحان التاميلية، حتى إن بعض الأناشيد تُغنّى على ألحان الأغاني السينمائية التاميلية القديمة، مما جعلها أقرب إلى عامة الناس. كما تُستخدم آلات جنوب الهند مثل الناداسوارام والمريدنغام مع الآلات التقليدية للقوّالي، فنتج عن ذلك لون موسيقي فريد لا يوجد في أي منطقة أخرى. وفي كوندوتي امتزجت القوّالي مع فن مابيلا باتّو، وهو الفن الشعبي لمسلمي كيرالا، حيث تُنشَد الأشعار باللغة المالايالامية مع الاحتفاظ بالتعابير العربية والأردية والموضوعات الصوفية الكلاسيكية. وقد ساعد هذا المزج على وصول الرسالة الروحية للطريقة إلى المجتمع المحلي بلغة يفهمها الجميع.
اللغة والثقافة في التعبير الصوفي
اعتمدت الطريقة الجشتية منذ بدايتها على مخاطبة الناس بلغاتهم المحلية، فلم تقتصر على العربية والفارسية، بل استخدمت الهندوسية، والأردية الدكنية، والتاميلية، و المالايالامية، والكنادية، وغيرها من اللغات. وقد ساعد هذا التوجه على تحويل التصوف من خطابٍ خاص بالنخبة إلى حركة روحية شعبية.
وكان أمير خسرو أول من مزج بين الفارسية والهندية في الشعر والإنشاد، ثم سار على نهجه مشايخ الجنوب، فألّف بنده نواز بالأردية الدكنية، وأنشد أتباع ناغور بالتاميلية، بينما استعمل أهل كوندوتي المالايالامية. كما استلهمت القصائد البيئة المحلية، فظهرت فيها صور الأنهار، والأمطار، والزهور، والمواسم الزراعية، والطبيعة الساحلية، لتقريب المعاني الصوفية إلى أذهان الناس. ورغم اختلاف اللغات والبيئات، بقيت الموضوعات الرئيسة واحدة، وهي محبة الله، والشوق إليه، ومدح النبي ﷺ، وتعظيم الأولياء، والسعي إلى الاتحاد الروحي بالله.
الموسيقى وسيلة للتعايش بين الأديان
من أبرز خصائص المزارات الجشتية في جنوب الهند أنها تحولت إلى فضاءات مشتركة يلتقي فيها المسلمون والهندوس والمسيحيين. فلم تكن الموسيقى مجرد أداء فني، بل أصبحت لغةً روحيةً مشتركة تتجاوز الحدود الدينية والثقافية. وقد تجسد ذلك بوضوح في ضريح ناغور الذي بُني أصلاً برعاية ملك هندوسي، وظل يحظى بدعم الحكام الهندوس في العصور اللاحقة. ويشارك أتباع مختلف الديانات في الاحتفال السنوي المعروف بـ كاندوري، حيث يشعلون المصابيح، ويقدمون الزهور، ويوزعون الطعام، ويحضرون مجالس القوّالي معاً. وتحمل كلمات القوّالي معاني إنسانية عامة مثل الحب، والرحمة، والتسامح، والبحث عن الحقيقة، وهي معانٍ يجد فيها أصحاب الديانات المختلفة ما يلامس وجدانهم، الأمر الذي جعل هذه المجالس وسيلة فعالة لتعزيز السلم الاجتماعي والتفاهم بين المجتمعات المتعددة.
أهمية التراث الموسيقي الجشتي في العصر الحديث
رغم التطورات الكبيرة التي شهدها العالم المعاصر، ما زالت الموسيقى الصوفية الجشتية تحتفظ بحضور قوي، خاصة بين الشباب. فقد أصبحت المهرجانات السنوية في غلبارغا وناغور وكوندوتي تستقطب مئات الآلاف من الزوار، كما انتقلت القوّالي إلى الفضاء الرقمي عبر منصات يوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي، مما أتاح لها الوصول إلى جمهور عالمي. وقد أدى هذا الانتشار إلى ظهور أشكال جديدة تمزج بين القوّالي الموسيقى الكلاسيكية الهندية والفنون الشعبية وحتى الموسيقى الحديثة، مع المحافظة على الرسالة الروحية الأساسية. وأسهمت هذه الأعمال في تعريف الأجيال الجديدة بالتراث الصوفي، وربطهم بقيم المحبة والتسامح وخدمة الإنسان. كما أصبحت هذه المنصات وسيلة لحفظ الأداءات القديمة وتوثيقها، وإتاحة الفرصة للباحثين والمهتمين لدراسة هذا التراث بصورة أوسع من ذي قبل.
تُبرز هذه الدراسة أن الموسيقى التعبدية ليست عنصراً ثانوياً في الطريقة الجشتية، بل تُشكّل أحد أهم أركان تجربتها الروحية والثقافية. فمنذ دخول الطريقة إلى الهند على يد خواجة معين الدين الجشتي، ثم انتشارها في جنوب الهند عبر بنده نواز شاهول حميد ومحمد شاه تنغال، لعبت الموسيقى دوراً محورياً في ترسيخ القيم الصوفية، ونشر المحبة الإلهية، وتقوية الروابط الاجتماعية.
كما أثبتت الدراسة أن المزارات الجشتية استطاعت التوفيق بين التراث الإسلامي والخصوصيات الثقافية المحلية، فنتج عن ذلك أشكال موسيقية متميزة تجمع بين الأصالة والتجديد. وأسهمت هذه الممارسات في تعزيز الحوار بين الأديان، وجعلت من الموسيقى وسيلةً لبناء جسور التفاهم بين مختلف فئات المجتمع. وفي العصر الرقمي، لم تفقد هذه التقاليد أهميتها، بل اكتسبت حياةً جديدة بفضل وسائل الإعلام الحديثة ومشاركة الشباب، مما يؤكد أن التراث الموسيقي الجشتي ما زال يمتلك القدرة على الإسهام في نشر قيم السلام، والتسامح، والتعايش، والإحياء الروحي في المجتمعات المعاصرة.

