[1]
النورسي
النبوة
من مقاصد القرآن الأربعة
النبوة
مظهر لصفة الربوبية
النبوة
قطب المصالح الكلية ومحورها ومعدن حياتها
النبوة
أسمى وأرفع الدرجات
النبوة
فذلكة الخير وخلاصة الكمال وأساسه
النبوة
اصطفاء إلهي
النبوة
نواة
النبوة
تكليف ثقيل
الندوي
النبوة
نعمة عظيمة
صفوة
الخلق والمثل الكامل للإنسانية
النبوة
هي القنطرة الوحيدة بين عالم الحسِّ وعالم الغيب
والندوي
الزمان النورسي
وجوده
والأخلاق الفاضلة
الضلال
الضلال
علي الندوي
معرفة
ذات الله عز وجل
صلاح
البشرية وارتقاء المدنية
إخلاص
الدين لله وإفراد العبادة له
إخبار عن
الآخرة
مطالبة
بالإيمان بالغيب
حاجة
المجتمع إلى قيادة المعصومين
تأسيس
حضارة جديدة وأسلوب خاص من الحياة
المرحلة الثانية ذكر الشيخ الندوي ضرورة نبوة محمدية وحاجة البشرية إليها، ومن أهم
البواعث التي أدت إليها كما تلي:
فقدان العلم
الصحيح
فقدان
الإرادة الخيِّرة القوية
فقدان
الجماعة التي تنتصر للحق
لا يغير
الوضع الجاهلي إلا بالنبوة
الحاجة
إلى أمة تبعث للإصلاح والكفاح الدائم
النورسي والندوي
الزمان النورسي
القرآنية:
الآفاق ونظام الكون
الكائنات والكون بآفاقه:
الشيخ أبي الحسن علي الندوي
الأدلة
القرآنية
الأدلة
القرآنية
الأحاديث
الصحيحة المتواترة
إجماع
الصحابة والأمة الإسلامية
الأدلة
العقلية
التطوير والتعديل
منه:
نظريتهما
بينهما:
اصطفاء إلهي:
الفلسفة وتهافتها:
النبوة ومهماتها المقدسة:
دراسة أحوال الكون في فهم النبوة:
النورسي
قد تنوعت مناهج الفهم والفكر والاستدلال
للقضايا الدينية عند علماء الإسلام ومفكريه. شهد العالم هذه التطرق في العصور كلها،
حتى في القرن الماضي عندما فصل العلماء القضايا الدينية تفصيلا حديثا، ومن هؤلاء السادة
الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي (1877-1960م) والشيخ أبو الحسن علي الندوي
(1914-1999م). تهدف هذه الدراسة بيان مناهجهما في فهم القضايا الدينية والفكر فيها
واستدلالها، وذلك بتحديد “النبوة” كموضوع الدراسة وإبراز فكرهما عن النبوة
وضرورتها ومناهجهما في إثباتها، حيث أن لهما اهتماما خاصا بموضوع النبوة في مؤلفاتهما
المختلفة. وتكون مناهج البحث من المنهج الاستقرائي في جمع المادة العلمية من مؤلفاتهما،
والمنهج التحليلي لأسلوبهما الإرشادي لاستنطاق مقصدهما وهدفهما عن موضوع النبوة، ثم
المنهج المقارن للمقارنة بينهما من خلال ذكر أوجه التشابه والاختلاف. ومن أهم النتائج
التي يصل إليها البحث أنهما وضحا موضوع النبوة وضرورتها وحاجة الناس إليها ووظائفها،
كما أنهما استخدما منهجا مستقلا وفلسفة فريدة في إثبات نبوة الأنبياء عامة ونبوة خاتم
الأنبياء خاصة. الكلمات المفتاحية: مناهج الفهم، النبوة، رسائل النور، النورسي، أبو
الحسن الندوي.
والشيخ أبو الحسن علي الندوي من العلماء والمفكرين الذين عرضوا الإسلام وشريعته عرضا
معاصرا بالمنهج العلمي الحديث في القرن العشرين، وفكروا في طرق نجاة الأمة المسلمة،
واستدلوا توافق الشريعة الإسلامية وعقائدها لكل عصر ومكان. وقد اختلفت هذه المناهج
لاختلاف البيئة التي نشأ فيها المفكرون، والشعب المستهدف لدعوتهم وإصلاحهم. ويهدف هذا
البحث بيان مناهج الشيخين المذكورين أعلاه
في الفهم والفكر والاستدلال للقضايا الدينية، وحددنا موضوع “النبوة” لبيان
مناهجهما، حيث هي واسطة بين الخالق والمخلوق في تعليم دينه وتبليغ شرعه، وسفارة بين
المالك وعبيده، ودعوة من الرحمن الرحيم لخلقه. وفيها دلالة قاطعة على بيان عدم عبثية
الخلق، وأن خالقهم لم يتركهم سُدى، بل أرسل لهم أنبياءه ورسله ليبلغوهم أوامره ونواهيه
وليخرجهم من الظلمات إلى النور، وينقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وذلك
لئلا يتيهون في معترك الحياة بلا مرشد، وحتى يصحح لهم ما قد يدس لهم من أفكار فاسدة
تلقى بهم في التهلكة. والنبوة لا تنال بعلم ولا رياضة، ولا تُدرك بكثرة طاعة أو عبادة،
ولا تأتي بتجويع النفس أو إظمائها، وإنما هي محض فضل إلهي، ومجرَّد اصطفاء رباني، وأمر
اختياري لله وحده. وقد ختم الله سلسلة النبوة بإرسال سيد الأنبياء محمد ﷺ. وعلى الرغم
من ختم النبوة اقتضت المشيئة الإلهية في كل عصر ومصر، تجديدَ الحفاظ على طهارة الفطرة
وصفائها، وتنقيتَها من كل الشوائب التي أحاطت بها، والتي قد تشكل حاجزا بين النور والضلال.
ولذلك كلما ابتعد الناس عن المنهج الإلهي القرآني، اختار الله لهم من يجدد دينَهم ويصلح
تدينَهم وينفث فيهم روح القرآن.
النبوة في مؤلفاتهما خاصة الأستاذ النورسي في الرسائل التي كان يبعثها للمريدين والطلاب،
والتي تم جمعه باسم رسائل النور؛ والشيخ الندوي في “النبوة والأنبياء” ودراسته
“النبوة هي الوسيلة الوحيدة للمعرفة الصحيحة والهداية الكاملة” و”النبي
الخاتم” و”النبي الخاتم والدين الكامل” وغيرها من كتبه وخطبه ومحاضراته.
من الوقائع والأحداث، التي وضع جميعها في خدمة القرآن العظيم وتفسير نصوصه، وبيان مرامي
آياته البينات، وكانت غايتها النهائية توليد اليقظة، وإعادة الحياة والفعل للأمة الإسلامية
بعد طول رقاد. نحاول أن نلخصها هنا في حياته العلمية وإعداد رسائل النور.
نورس الواقعة شرقي الأناضول في تركيا عام 1294هـ/1877م من أبوين صالحين كرديين ميرزا
بن علي بن خضر بن ميرزا خالد بن ميرزا رشان من عشيرة أسباريت ونورية بنت ملا طاهر من
قرية “بالك” وهي من عشيرة خاكيف والعشيرتان من عشائر قبائل “الهكارية”
فيتركيا.[2]
قرية “طاغ” على يد محمد أفندي سنة 1882م، كما تتلمذ على أخيه الكبير الملا
عبد الله، واقتصرت دراسته في هذه الفترة على القواعد العربية. ثم بدأ يتنقل في القرى
والمدن بين الاساتذة والمدارس ويتلقى العلوم الإسلامية من كتبها المعتبرة بشغف عظيم.
ففي سنة 1888م ذهب إلى “بتليس” والتحق بمدرسة الشيخ أيمن أفندي ولم يلبث
فيها طويلا، حيث الشيخ هذا رفض تدريسه لصغر سنه وأوكله إلى شخص آخر مما حز هذا في نفسه
لذلك فقد قصد إلى مدرسة “مير حسن ولي” في “مكس” ثم إلى مدرسة في
واسطان ” كواش” وبعد شهر واحد فقط ذهب مع صديق اسمه “ملا محمد”
إلى مدرسة في قضاء “بايزيد” التابعة لولاية “آغرى”. وفي سنة
1894م ذهب إلى مدينة “وان” وانكبّ فيها بعمق على دراسة كتب الرياضيات والفلك
والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ حتى تعمق فيها إلى درجة التأليف
في بعضها فسمّي بـ”بديع الزمان” اعترافاً من أهل العلم بذكائه الحاد وعلمه
الغزير واطلاعه الواسع[3].
مشروعاً إلى السلطان عبد الحميد الثاني لإنشاء جامعة إسلامية في شرقي الاناضول، أطلق
عليها اسم “مدرسة الزهراء” – على غرار الأزهر الشريف – تنهض بمهمة نشر حقائق
الإسلام وتدمج فيها الدراسة الدينية مع العلوم الكونية، في ضوء مقولته المشهورة:
“ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الكونية الحديثة وبامتزاجهما
تتجلى الحقيقة، وبافتراقهما تتولد الحيل والشبهات في هذا، والتعصب الذميم في ذاك”.[4]
من 1926م عندما نفي وحده إلى ناحية نائية بارلا، و استمر على تأليفها حتى سنة 1950
فأصبحت في أكثر من “130” رسالة، جُمعت تحت عنوان “كليات رسائل النور”
التي تضم أربع مجموعات أساسية هي: الكلمات، المكتوبات، اللمعات، الشعاعات… وغيرها من
المجموعات التي لم يتيسر لها أن ترى طريقها إلى المطابع إلاّ بعد سنة 1954م.[5]
ونشرها أمرا متميزا وفريدا في تاريخ الدعوات الإسلامية المعاصرة ذلك لأن الأستاذ سعيد
النورسي لم يكن يكتب كثيرا من رسائله بيده، وإنما كان يملي هذه الرسائل على بعض طلابه
في حالات من الجيشين الروحي والوجداني وبعد ذلك تتداول النسخة الأصلية بين التلاميذ
الذين يقومون بدورهم استنساخها باليد ثم ترجع هذه النسخ جميعها إليه لكي يقوم بتدقيقها
واحدة وتصحيح أخطاء الاستنساخ إن وجدت ولم يكن لديه أية كتب أو مصادر يرجع إليها عند
التأليف سوي القرآن الكريم وقد ساعده على ذلك ما وهبه الله من ذاكرة خارقة وقدرة عجيبة
على الحفظ فكان يستقي عند تأليفه رسائله من مخزونات محفوظاته في مصادر العلوم الدينية
التي كان قد قرأها في بداية حياته .وتوفي سعيد النورسي في الخامس والعشرين من رمضان
المبارك سنة 1379هـ الموافق 23/3/1960م، تغمده
الله برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جناته.[6]
عبد الحي الحسني (نسبة إلى الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما) النَّدْوي (نسبة إلى
ندوة العلماء)، الهندي الجنسية، العالمي العطاء، شيخ الأمة، ولسانها الناطق بالحق.
وُلِدَ بقرية تكيه بمديرية راي بريلي- في الولاية الشمالية-(Uttar
Pradesh) بالهند في
عام 1333ه/ 1914م. تُوُفِّي أبوه عام 1341ه/1923م وهو لم يزل دون العاشرة، فتولَّى
تربيتَه أمُّه، وأخوه الأكبُر الدكتور عبد العلي الحسن.[7]
تُعاوِنُه أمُّه، ثم بدأ في تعلُّم اللغتَينِ الأرديةَ والفارسيةَ. وبدأ تعلُّم العربيةِ
على الشيخ خليل بن محمد الأنصاري اليماني عام 1342ه/1924م وتخرَّج عليه، كما استفاد
– في دراسة اللغة العربية وآدابها – من عمَّيهِ الشيخ عزيز الرحمن والشيخ محمد طلحة.
ثم التحق بجامعة لكهنؤ في القسم العربي عام 1927م وحصل على شهادة فاضل أدب في اللغة
العربية وآدابها. وعكف على دراسة اللغة الإنجليزية في الفترة ما بين 1928- 1930م. كما
التحق بدار العلوم لندوة العلماء عام 1929م، وحضَر دروسَ الحديث الشريف للمحدِّث حيدر
حسن خان، ولازَمَه سنتَيْنِ كاملَتَيِن فقرأ عليه الصحيحين، وسنن أبي داوود، وسنن الترمذي،
وقرأ عليه دروساً في تفسير البيضاوي ، وقرأ على الشيخ شبلي الجيراجبوري الأعظمي بعض
كتب الفقه. وأقام عند حسين أحمد المدني عام 1932م في دار العلوم ديوبند عدة أشهر، وحضر
دروسَه في صحيح البخاري وسنن الترمذيِّ، واستفاد منه في التفسير وعلوم القرآن الكريم
أيضاً، كما استفاد من الشيخ إعزاز علي في الفقه، ومن الشيخ المقرئ أصغر علي في التجويد
على رواية حفص.
لندوة العلماء عام 1934م، ودرَّس فيها التفسير والحديث، والأدب العربي وتاريخه، والمنطق.
وأسَّسَ العلامةُ الندوي كثيرا من المؤسسات الإسلامية سواءً في الهند أو في العالم،
وحصل على كثير من عضويات الهيئات والمؤسسات الدعوية والعلمية والعالمية ، وكان من أبرز
مُؤَسِّسي رابطة الأدب الإسلامي العالمية وانتخب أولَ رئيس لها، وترك ثروةً علمية كبيرة
من المؤلفات الدعوية والفكرية والأدبية قاربت ثلاثمائة عنوان باللغة العربية فقط، مع
ذلك كان رحمه الله يتقن اللغة الأورديةَ والإنجليزيةَ بجانب اللغةِ العربيةِ .
متميّز عن غيره من المفكّرين والباحثين المعاصرين بسبب معرفته لعدد من اللغات كالعربيّة
والأورديّة والانجليزيّة والفارسيّة، وسعة اطّلاعه على مصادر الحضارات غير الإسلاميّة،
فضلاً عن تعمقه في التاريخ الإسلامي، بلغت مؤلّفاته مائة وستّة وسبعين ما بين رسالة
وكتاب وبحث، تميّزت كلّها بالغوص العميق في تفهم أسرار الشريعة، والتحليل العميق لمشاكل
العالم الإسلامي. وقد مُنح للشيخ كثير من الجائزات وعلى قمتها جائزة الملك فيصل العالمية
التي نال في عام 1980م.
الجمعة 23 من رمضان 1420هـ، 31 ديسمبر 1999م، قبل صلاة الجمعة بعد أن توضأ استعداداً
للصلاة وبدأ بقراءة سورة الكهف.[8]
لهذه الدراسة المقارنة هي:
في عام 1877م وتوفى في عام 1960م. وولد الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي في عام
1914م وتوفي عام 1999م. تدل هذه الفترة الزمنية إلى أنهما عاشا في نفس الظروف والحالات
العالمية من الدينية والاجتماعية والسياسية، ومن خلال نفس الوضع تفكرا لنجاة الأمة
المسلمة ونشر الدين. ونجد الشيخ الندوي كتب عن النورسي بحثا معنونا “النورسي ودعوته”
وأرسله إلى المؤتمر العالمي الثالث لبديع الزمان سعيد النورسي الذي عقد بإسطنبول في24-26
سبتمبر 1995م، إلا أن ظروفه الصحية حالت دون مشاركته الفعلية.
على أنهما من عملاق تجديد الفكر الديني في العصر الأخير، القرن العشرين الميلادي. وهناك
وجود اشتراك في جانب من جوانب التجديد والإصلاح والفكر لديهما؛ فالعمل الإصلاحي التجديدي
الأساسي للإمام النورسي يتجلى في إبراز حقائق الإيمان – ومنها النبوة المحمدية وخلود
رسالتها – من أجل إنقاذ إيمان الأمة أمام الهجمة الشرسة لقوى الكفر والإلحاد على حقائق
الإيمان. وهدف العمل الإصلاحي للندوي هو “لا مستقبل للأمة الإسلامية إلا في طريق
الأنبياء، ولا أمل للأمة الضعيفة إلا في هذا المنهج”.[9]
السرهندي، يقول الأستاذ النورسي: “لقد قال رائد السلسلة النقشبندية وشمسها الإمام
الرباني – رضي الله عنه – في مؤلفه “مكتوبات”: إنني أرجح وضوح مسألة من الحقائق الإيمانية وانكشافها،
على آلاف من الأذواق والمواجيد والكرامات. وقال أيضا: إن منتهى الطرق الصوفية كافة
هو وضوح الحقائق الإيمانية وانجلاؤها. فما دامت الحقيقة هكذا، فإني أخال أن لو كان
الشيخ عبد القادر الكيلاني، والشاه النقشبندي، والإمام الرباني، وأمثالهم من أقطاب
الإيمان – رضوان الله عليهم أجمعين – في عصرنا هذا، لبذلوا كل ما في وسعهم لتقوية الحقائق
الإيمانية والعقائد الإسلامية، ذلك لأنهما منشأ السعادة الأبدية، وأن أي تقصير فيهما
يعني الشقاء الأبدي”.[10] تدل هذه العبارات إلى(على) أنه تأثر بمنهج هؤلاء أئمة
التصوف والزهد. وكذلك الإنجازات العلمية للشيخ الندوي تدل إليه، حيث إنه كتب حولهم
وفصل مناهجهم الدعوية والإصلاحية.
على أن العقل الجسماني الجزئي عاجز عن الوصول إلى حقائق عالم الغيب، وعلوم الأنبياء؛
لأنه لا يملك أساساً وقاعدة القياس في هذه المعلومات ولا عهد له بهذا العالم الفسيح،
عالم الغيب وما وراء الطبيعة، لأنه مقيد بالمحسوسات والمقدمات، وهو عقل ثمرته الأوهام
والشكوك، ووطنه عالم الظلمات. بينما العقل الإيماني البصيري، الذي يستمد نوره من سلسلة
النبوة، ينور الآفاق، ويبزغ نوره على القلوب والأرواح.
والندوي
“النبأ” أو “النباوة”
أو “النبوة” أو “النبي”[11]؛ فإذا كانت مأخوذة من
“النبأ” فتكون بمعنى الإخبار، لأن النبأ هو الخبر. وإذا كانت مأخوذة من “النباوة أو النبوة”
فتكون بمعنى الرفعة والعلو؛ لأن النباوة أو النبوة: هي الشيء المرتفع. أما إذا كانت مأخوذة من “النبي” بدون
همز، فيكون معناها الطريق إلى الله عز وجل؛ لأن معنى “النبي” الطريق. والنبوة تشمل كل هذه المعاني إذ النبوة
إخبار عن الله عز وجل، وهي رفعة لصاحبها لما فيها من التشريف والتكريم، وهى الطريق
الموصلة إلى الله سبحانه. وأما النبوة في الاصطلاح: “فهي حبر خاص يكرم الله عز وجل به أحدا من
عباده؛ فيميزه عن غيره بإيحائه إليه ويوقفه
به على شريعته بما فيها من أمر ونهي ووعظ وإرشاد ووعد ووعيد”.[12]
الزمان النورسي
اللغوي أو الاصطلاحي لمعني النبوة. بل يمكن بيان معنى النبوة وتعريفها خلال ذكره للوظائف
الحقيقية والمعاني الجوهرية لمهمة كل من الأنبياء والرسل. فنجده في حديثه يعبر أحيانًا
بالنبوة والأنبياء وأخرى بالرسالة أو الرسل[13]. وأحيانًا يقرن بينها في الوظيفة كحديثه
عنها في الدلالة على وجود اليوم الآخر حيث يقول: “إن أخبار مائة وأربعة وعشرين
ألفًا من المصطفين الأخيار وهم الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام – كما نص عليه
الحديث – إخبارًا بالإجماع والتواتر مستندين إلى الشهود عند بعضهم وإلى حق اليقين عند
آخرين، عن وجود الدار الآخرة”.[14]
تأخذ طابع الرسالة والتبليغ عن الله، وهو يرى أن الرسول هو الوسيلة والدليل المعرِّف
عن الله تعالى، “وهو المبعوث ذو الصفتين: صفة العبودية الكلية، فهو ممثل طبقات
المخلوقات عند الحضرة الربانية. وصفة الرسالة والقرب إليه، فهو مرسل من لدنه سبحانه
إلى العالمين كافة… وهو المعرِّف الخادق
والمعلن الوصاف، وهو المرشد المعلم الرائد”.[15] وقال أيضا: “إن ما يعرِّف
لنا ربنا لايعد ولايحد، ولكن البراهين الكبيرة والحجج الكلية ثلاثة: إحداها: هذه الكائنات،
وقد سمعتَ بعض آيات هذا الكتاب الكبير، وثانيتها: الآية الكبرى من هذا الكتاب، وهي
خاتم ديوان النبوة، ومفتاح الكنوز الخفية عليه الصلاة والسلام، وثالثتها: مفسر كتاب
العالم، وحجة الله على الأنام، أي القرآن الحكيم.[16] وأما خصائص النبوة ومبادئها ومميزاتها
التي وضحت من رسائل النور كما تلي:
الكريم ذكر في عدة مواضع أنه أحد من هذه المقاصد هو النبوة وإثباتها والحديث عن الأنبياء
ومعجزاتهم، وبيان أن الفوز في الحياة الدنيا والآخرة مرتبط باتباع هؤلاء الأنبياء،
والهلاك والخسران في الابتعاد عن منهجهم والشرائع التي جاءوا بها. كما قال: “أن
مقاصد القرآن الأربعة هي: التوحيد، النبوة، الحشر، العدالة مع العبودية”.[17]
“إن مقاصد القرآن الأساسية وعناصره الأصلية المنبثة في كل جهاته أربعة: إثبات
الصانع الواحد، والنبوة، والحشر الجسماني، والعدل”.[18]
إن مقاصد القرآن الأساسية وعناصره الأصلية أربعة: التوحيد، والرسالة، والحشر، والعدالة
مع العبودية”.[19]
من المظاهر التي تبرز الألوهية الكون من خلال تعريف البشر بربهم وصفاته التي تتجلى
في هذا الكون الفسيح، ولذلك تكون النبوة جامعة وكلية على العكس من الولاية التي تكون
جزئية وخاصة، ” النبوة مظهر لصفة الربوبية تكون جامعةً وكليةً ، والولاية خاصة
وجزئية، فنسبتها إليها كنسبة صفة “رب
العالمين” إلى “ربي”… ونسبة
العرش إلى القلب.. ونسبة المعراج الممتد من الأرض إلى ما فوق العرش المار على طوائف
الملك والملكوت إلى معراج المؤمن في سجوده … بالوجه الخاص”.[20]
التي هي قطب المصالح الكلية ومحورها ومعدن حياتها ضرورية لنوع البشر، فلو لم تكن النبوة
لهلك النوع البشري. إذ كأنه ألقى من عالم مختل إلى عالم منظم، فيخل بالقوانين الجارية
العامة…”.[21]
للنبوة، فهي نظرة قطب المصالح الكلية ومحورها، قطب تدور حوله كل المصالح ليست الخاصة
ولا الجزئية بل المصالح الكلية للبشرية وللكون، فلو لم تكن نبوة البشر لهلك النوع البشري،
ولو لم تكن نبوة في الكون لهلك الكون وخرج عن نظامه. والبشر حين يعلمون أن النبوة قطب
مصالحهم الكلية ومحورها، فإنهم سيلقون حولها، ويعتصمون بعراها، ويجعلونها معدن حياتهم.[22]
فيحدد أن النبوة أسمى وأرفع الدرجات كلها حيث يقول: “ثم إن رتبة النبوة أسمى و
أرفع بكثير من درجة الولاية بحيث إن جلوة بوزن درهم من النبوة تفضل رطلا من جلوة الولاية”.[23]
البشرية لتخلص من كل ما تعيشه من شحناء وبغضاء وحروب لا نهاية لها. هي كمال البشرية
يوم أن ترتبط بمنهاج ربها، وهي خلاصة الكمال الذي تسعى البشرية للوصول إليه، يقول الأستاذ:
“اعلم أيها الإنسان أن النبوة في البشرية فذلكة الخير وخلاصة الكمال وأساسه”.[24]
في خلقه أن يصطفي بعض عباده لمهمة النبوة والرسالة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي
مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:
75] وهذا الاصطفاء والاختيار منة إلهية امتن الله بها على الأنبياء والمرسلين فلم يصلوا
إليها بكسب ولا جهد، ما كانت ثمرة لعمل أو رياضة للنفس قاموا بها كما يزعم الضلال من
الفلاسفة. أراد الأستاذ النورسي أن يوضح هذا المعنى بخطاب التدريج العقلي لتدرك البشرية
حاجتها إلى النبوة، لا سيما نبوة المصطفى ﷺ وذلك في الإشارة البليغة الأولى تحت قوله
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة : 33] [25]
من مفاهم النبوة، وهو أن النبوة تمثل نواة، هذه النواة أنبت شجرة الإسلام بجميع ثمارها
وأزاهيرها ، يقول: “النبوة نواة، أنبت شجرةَ الإسلامية بأزاهيرها وثمراتها”.[26]
تكليف ثقيل، وعبء عظيم، منطلقا في ذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا
ثَقِيلًا﴾ [المزمل:5] فقال: “إن النبوة تكليف ثقيل، وعبء عظيم جدا، لا يُحمل لا
بعد نمو الملكات
القلبية . أما زمن ذلك الكمال فهو الأربعون من العمر”[27].
علي الندوي
إلى النبوة من خلال القرآن وبمنظار القرآن، واستعرض كتاب الله لتعريف مداها وآفاقها
الواسعة، وأعماقها الغائرة وجذورها العميقة في الحياة الإنسانية، وسيطرتها على العقول
والنفوس والأخلاق والميول، وتأثيرها في تكوين السير وتشكيل المجتمعات، وقيادتها للمدنيات.
وبناء على ذلك نقد الشيخ علم الكلام الذي نظر إلى النبوة نظر ناقص محدود، حيث يقول:
“لقد نظر علم الكلام أو علم التوحيد إلى النبوة والأنبياء بنظر قاصر محدود، واعتبرها
عقيدة جامدة محدودة لا صلة لها بالحياة إلا في دائرة ضيقة محدودة من العقائد”.[28]
البشرية، حتى وصفها الشيخ الندوي بأعظم النعم: “نعمة النبوة التي ما أنزل الله
نعمة أعظم منها”.
الاصطفاء والاجتباء، كما ذكر القرآن الكريم الأنبياء متصفا بالحب والرضا، وتارة بأسمى
الصفات والمواهب العقلية والخلقية والعملية، كل يدل على أنهم صفوة الخلق، والمثل الكامل
للإنسانية، ومن أقوى البشر وأجدرهم بحمل النبوة والرسالة. يقول تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام، 124][29]
الغيب
تصور مركز النبوة والأنبياء الفريد الدقيق للأمة، ووضعهم الشاذ الذي يستطيعون به أن
يشاهدوا ما لا يشاهده أقرانهم وأبناء جنسهم وعصرهم، ويشهدوا بما لا يشهد به المصلحون
والزعماء عادة، فقد وقفوا على قمة جبل من النبوة يطلون منها على الجانبين، الجانب الحسي
بحكم النبوة التي يكرمهم الله بها، والاتصال بعالم الغيب.[30]
الله تعالى المعرفة الصحيحة، التي لا يشوبها جهل ولا ضلال، ولا سوء فهم، ولا سوء تعبير،
ولا سبيل إلى معرفة الله الصحيحة إلا ما كان عن طريق النبوة.[31]
عن طريق النبوة هو علم النجاة، حيث يقول: “تكفل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم
وانفردوا بالعلم النافع وبالعلم الذي لا سعادة للإنسان ولا نجاة له بغيره، وهو العلم
الذي يعرف به الإنسان خالقه وفاطر هذا الكون… وهذا هو العلم الذي يستحق أن يسمى
(علم النجاة)…”.[32]
النورسي والندوي
نعم الله في تجّليه بأسمائه الحسنى؛ لأنها طريق هداية الإنسان من خالق الإنسان؛ وهو
سبحانه الأعلم بما تتحمله فطرة الإنسان، وبما تستدعيه وظيفته، فهي رحمة، وحكمة، وعدل،
وإقامة حجة. إنها ملتقى الربانية والإنسانية، إذ هي مقتضى تعليم الله الإنسان ما يلزمه
لمعرفة نفسه، ومعرفة إيمانه، ومعرفة ما يلزمه من عبادة ربه، والتزامه بشريعته، والسلوك
وفق قيم الخير والعدل، للفوز بسعادة الدنيا والآخرة. وإن الإنسان في حاجة لهذه المعرفة عبر النبي الإنسان
القدوة الذي يتلقى من الله بصفته نبيًا، ويقود البشر في عبادة ربه بصفته إنسانًا مثلهم.
وتم تصور هذه الضرورة وحاجة الناس إليها بابن قيم الجوزية: “فالضرورة إليهم أعظم
من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نوره، والروح إلى حياتها. فأي ضرورة وحاجة فرضت،
فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير.”[33] نذكر في التالية ضرورة النبوة
بناء على نظرية الأستاذ النورسي والشيخ الندوي.
بديع الزمان النورسي
وعظيم لطفه وجليل حكمته أن جعل في بني البشرية أمرين اثنين، لو لا هما لفسدت البشرية
وانحدرت إلى حضيض الحيوانية وتخبطت في ظلمات الجهل والضياع. وهذان الأمران هما النبوة
والشريعة، اللتين بهما انتظمت الحياة البشرية واستقرت الأوضاع الإنسانية، وقد أكد الأستاذ
النورسي هذا المعنى: “إن القدرة الإلهية التي لا تترك النمل من دون أمير والنحل
من دون يعسوب، لا تترك حتمًا البشر من دون نبي، من دون شريعة”.[34]
في مرحلتين:
المطلقة
ومركز انتظام أموال كثير من الأنواع التي ضمتها تحت تصرفها قوة العقل”.[35]
“ولقد ظهر ألوف الأنبياء عليهم السلام وأعلنوا النبوة وأثبتوا نبوتهم بمعجزاتهم
التي تربو على الألوف..فجميع هؤلاء الأنبياء الكرام كانوا يعلنون بمعجزاتهم بلسان واحد
وجود النبوة المطلقة من نوع البشر.. فهي برهان قاطع على
من الأسماء فهو دليل قوي”.[36]
للنبوة المطلقة هو رقي الإنسان على الحيوانية وذلك في نقاط ثلاثة يبينها على النحو
التالي:
عن الترتيب في الأشياء .. وقابليته العلمية والتركيبية .. وقدرته على محاكاة الطبيعة
ومساوقة نواميس الله الجارية في الكون بصنعته ومهارته … فالنبي المرشد هو النبي محمد
ﷺ لأن رسالته خالدة”.[37]
“اللاتناهية” المغروزة في الإنسان، بمعنى أن أفكاره ورغباته وتصوراته غير
المحصورة وقوته الشهوية والغضبية وأفكاره التي لا حدّ وميله إلى التجاوز في طبيعته، وعدم
تحدد قواه، وعدم انضباط آماله. هذه اللاتناهية في الميول والآمال لا يسعها قانون البشر
… فعدم كفاية هذا القانون البشري الحاصل نتيجة تلاحق الأفكار والتجارب التدريجية،
لإنماء بذور ثمرة استعدادات الإنسان، احتاج إلى شريعة إلهية حية خالدة تحقق له سعادة
الدارين معًا …[38]
إلى العيش اللائق بالإنسانية، واحتياجه إلى الامتزاج مع أبناء جنسه ليتبادلوا ثمرات
سعيهم ويشاركوا بعضهم بعضا ويتعاونوا على ما فيه نفعهم وصلاحهم، فيرشدنا النورسي إلى
ضابط هذه العلاقة لكي تحافظ على التوازن والاستقرار. ويختم حديثه بعد ذكر النقاط الثلاثة
بقوله: “فإذا علمت هذه الجهات الثلاث من تمايز الإنسان عن سائر الحيوانات نتج
لك بالضرورة أن النبوة المطلقة في نوع البشر قطب بل مركز ومحور تدور عليه أحوال البشر،
فلو لم تكن النبوة لهلك نوع البشر.[39]
نبوة محمد ﷺ الخاصة
النورسي يجعل ضرورة البشرية للنبوة المطلقة مقدمة لضرورة البشرية للنبوة المحمدية جمعا.
فهو يرى أن أسس مدار النبوة تبدو بأكمل وجه وأظهره في النبي محمد ﷺلأنه أعظم أهلية لمنصب الرسالة ومهمة التبليغ وقد
جمع من الدلائل والمزايا والأوصاف ما اتصف به جميع الرسل السابقين.[40] وأهم المواضع
التي ذكر فيها النورسي ضرورة نبوة محمدية ودلائلها كما تلي:[41]
تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
[النحل : 125] “أن اسم الله الحكم والحكيم يقتضيان بداهة نبوة محمد ﷺورسالته…”.[42]
حقيقة النبي ﷺ بالمعلم الخبير للسلطان العظيم.[43]
الشخصية المعنوية للنبي الخاتم، وتدل على علو منزلته الرفيعة، وتبين أنه السراج المنير
لهذه الكائنات وشمسها الساطعة.[44]
عليه الصلاة والسلام.[45]
التاسع عشر “المعجزات الأحمدية”، والكلمتين التاسعة عشر والحادية والثلاثين.
“إشارات الإعجاز” في ست مسائل.[46]
توحيد الخالق وإثبات وجوده
المختلفة ثلاثة براهين كبيرة وحجج كلية لتوحيد الخالق وإثبات وجوده: “إن ما يعرف
لنا ربنا لا يعد ولا يحد، ولكن البراهين الكبيرة والحجج الكلية ثلاثة:
آيات هذا الكتاب الكبير.
وهي خاتم ديوان النبوة، ومفتاح الكنوز الخفية عليه الصلاة والسلام.
الله على الأنام، أي القرآن الحكيم”.[47]
حيث يقول بعد سرد هذه البراهين الثلاثة، وهو: الوجدان الحي، أو الفطرة الشاعرة، الذي
يمثل البرزخ ونقطة اتصال عالمي الغيب والشهادة. فالفطرة الشاعرة أو الوجدان نافذة إلى
العقل ينشر منها شعاع التوحيد
عبادة الله تعالى
في هذا الوجود هي العبادة لله وحده. فلُّب دعوة الأنبياء وجوهر الرسالات السماوية هو
الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك ما يعبد من دونه. والإيمان بالرسل أحد
أركان الإسلام الأساسية التي تقوم عليها تلك العبادة. فالرسل قد بينوا للإنسانية سر
وجودهم في هذه الدنيا، وأجابوا على أسئلتهم الفطرية من حكمة الوجود والخلق، وهذا ما
أشار إليه النورسي في رسائله: “فالرسول يجيب عن ألغاز الأسئلة الثلاثة المستعصية
في الموجودات: من أين؟ وإلى أين؟ ومتى تكون؟ فهل يمكن للخالق ذي الجلال الذي عرف نفسه
إلى ذوي الشعور بهذه المخلوقات الجميلة، وحببها إليهم بنعمه الغالية، أن لا يبين لهم
بوساطة رسول ما يريد منهم وما يرضيه إزاء هذه النعم السابغة؟”.[48]
الآخر
من السمعيات المحضة التي يجب الإيمان بها والتسليم بحقيقتها. ويعتقد النورسي أن مسألة
الحشر واليوم الآخر لا يمكن فهمها إلا بتعليم أستاذين معجزين وهما القرآن الكريم، والرسول
الحبيب ﷺ. [49]
الإنساني القيم والأخلاق الفاضلة
التي اقتضتها النبوة لتقديم أنموذج رائع للسلوك الإنساني الصحيح وبناء الشخصية الإسلامية
المتصلة بخالقها سبحانه، فهو يوقن تمامًا أن من أهم ما بعث به الأنبياء هو إتمام مكارم
الأخلاق وتربية بني البشر وفق ما يرتضيه رب البشر، يقول النورسي في ظلال قوله تعالى:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة : 2] في الآية إيحاء إلى العدالة
والنبوة أيضًا؛ لأن بالرسل تربية نوع البشر.[50]
البشري
السلام قد بعثوا إلى مجتمعات إنسانية ليكونوا لهم أئمة الهدى يقتدي بهم، في رقيهم المعنوي
والمادي أيضًا عن طريق معجزاتهم. وذكر الإمام النورسي أن القرآن الكريم الذي خاطب البشرية
قاطبة لم يمهل ذكر منجزات العلم والصناعة – والتي تعد حصيلة التقدم الإنساني ورقيه-
من حياة البشر، وأشار إلى تلك الخوارق العلمية من جهتين: معجزات الأنبياء عليهم السلام،
وبعض الحوادث التاريخية. وقدم النورسي أنموذجًا مختارًا من معجزات الأنبياء عليهم السلام
مشيرًا إلى الخوارق العلمية التي تضمنتها تلك المعجزات لتكون هداة للبشرية.[51]
وإنقاذها من الضلال
الذين قدموا أسوة كاملة للبشرية لسعادتها الأبدية وخلاصها من الضلال: “اعلم أن
هذا النبي الكريم ﷺ المشهود لنا بشخصيته المعنوية، المشهور في العالم بشؤونه العلوية،
كما أنه برهانٌ ناطق صادق على الوحدانية، ودليل حق بدرجة حقانية التوحيد، كذلك هو برهان
قاطع ودليل ساطع على السعادة الأبدية؛ بل كما أنه بدعوته وبهدايته سبب حصول السعادة
الأبدية ووسيلة وصولها، كذلك بدعائه وعبوديته سبب وجود تلك السعادة الأبدية ووسيلة
إيجادها …”.[52]
أبي الحسن علي الندوي
ضرورة النبوة عموما ونبوة محمدية خاصة. وأما ضرورة النبوة عموما فهي:
لمعرفة ذات الله تعالى، حيث تفرد الأنبياء بمعرفة ذات الله وصفاته وأحكامه ومرضاته،
وبخواص العقائد والأعمال والأخلاق، صحيحها
وسقيمها وصالحها وفاسدها وما تجر وتستتيع من سعادة وشقاء في الدنيا، وثواب …[53]
المدنية كلها، وهي قوة كراهية الشر وحب الخير. يقول الشيخ: “إن المدنية لا تدين
لأي طائفة من طوائف البشر كما تدين لهذه الطائفة الربانية… فلو لا هم صلى الله عليهم
وسلم لغرقت سفينة الإنسانية بما فيها من علوم وتراث حضاري وفلسفة وحكمة. ولتحولت البشرية
إلى قطعان من السائمة أو الوحوش لا تعرف ربا، ولا تعرف دينا ولا خُلقا…”[54]
أجل تصحيح العقيدة في الله تعالى، وتصحيح الصلة بين العبد وربه، والدعوة إلى إخلاص
الدين وإفراد العبادة لله وحده، وأنه النافع الضار المستحق للعبادة والدعاء والالتجاء
والنسك وحده.
بأحوال الحياة الآخرية واللهج بها، والإشادة بذكرها، والتنويه بشأنها تنويهًا خاصا.
حيث إن أخبار الآخرة دائما نصب أعين الأنبياء، لا تزال ماثلة أمامهم بنعيمها وجحيمها
وسعادتها وشقائها.
وضرورة النبوة لتحقيقه بأن القرآن الكريم ذكر من صفات الله تعالى وأفعاله ما لا يقبل
إلا بالإيمان بالغيب، ومن الوقائع والحوادث وآلاء الله وأيامه، وأخبار الرسل وما أُجري
على أيديهم من المعجزات، وما أظهر لهم من الآيات، ما لا يطيقه ولا يسيغه إلا بالإيمان
بالغيب. والوسيلة الوحيدة للإدراك عن الغيب هي النبوة. لا يمكن معرفته إلا عن بواسطة
الأنبياء عليهم السلام.[55]
قادة أمناء معصومين من الضلال والأوهام والأخطاء، مبرئين من كل طمع ومساومة وطلب مكافأة
ومقابل وربح ماديّ، لا تتغلب عليهم الشهوات، ولا تؤثر فيهم النزعات، لا يصدرون عن رأيهم
ومعلوماتهم الناقصة، وتجاربهم القاصرة ومصالحهم الخاصة، وإذا صدر منهم خطأ في الاجتهاد
والتقدير نبههم الله على ذلك فلم يمكثوا عليه ولم يتمادوا فيه.”[56]
إلى عقيدة وشريعة فحسب، ولم يحملوا دينا جديدا فحسب، بل كانوا مؤسسي حضارة ومدنية وعشرة
واجتماع وأسلوب من الحياة جديد خاص، جدير بأن يسمى الحضارة الربانية.
الندوي ضرورة نبوة محمدية وحاجة البشرية إليها، ومن أهم البواعث التي أدت إليها كما
تلي:
الإنسان ربه معرفة صحيحة ويصل به إلى خالقه، ويعبد به عبادة خالصة مرضية، حتى إذا وجدت
الإدارة الصحيحة القوية والطلب الصادق لم ينتفع به صاحبه، وكل علم وجد في هذا العصر
مشوب بالجهل ممزوج بالخرافة، محرف عن الأصل، أخطائه أكثر من صوابه، وضرره أكبر من نفعه.[57]
الخيرة القوية التي تلتقطه من مكانه، وتعض عليه بالنواجذ، وتتغلب به على شهوات نفسه
ومعارضة بيئته، فقد فقدت عاطفة الطلب لله والبحث عن الحق، وكلت العزائم والقوى في هذا
الطلب، وانصرفت إلى طلب المعاش وإرضاء الشهوات وتحقيق مطالب النفس، وطاعة السلاطين
العمياء… (الندوي، 2000م)
لم توجد الجماعة التي يلتجئان إليها في الشدة، ويستمدان منها القوة عند الضعف، فضاعا
في جهود فردية وإصلاحات شخصية، وكان هؤلاء الأفراد مصابيح احترقت ذبالتها، ونفذ زيتها،
وخفت نورها، فلا يهتدي بها المسافر التائه، ولا يتدفأ بها الفقير المقرور.[58]
والفجور، والمعاصي والآثام، والظلم والطغيان، وإهدار كرامة الإنسان والاعتداء على حقوقه،
وتغلب الحكومات الجائرة والملوك الجبابرة، وقلة عدد الصالحين العابدين لله وضعفهم،
كل ذلك لا يمكن تغيره إلا بيد النبي مؤيد من الله، صاحب قوة قدسية وشخصية نبوية أن
يعيد هذا الإيمان الضائع المفقود من قرون متطاولة إلى قلب الإنسان، ويشغله بطلب جديد
وحب جديد.
ويحتاج إلى أمة تبعث وتتصل وتستمر وتكافح وتناضل وتنتشر في أرض الله، وتتحدى الباطل
أينما كان، وتجتث الشر أينما وجد، وتملأ أرض الله قسطا وعدلا، كما ملأت ظلما وجورا،
وكان العالم في حاجة إلى بعثة نبي من أعظم الأنبياء مقرونة ببعثة أمة من أقوى الأمم.
والندوي
التلازم بين النبوة العامة والنبوة المحمدية، لأنه كلما ثبت الخاص ثبت معه العام أيضاً،
لأن الخاص من حيث إنه خاص لا يمكن أن يتحقق ويثبت بدون العام، وإلا فلا يكون العام
عاماً والخاص خاصاً. فإذا كان كل دليل يدل على إثبات الرسالة المحمدية الخاصة، فهو
في الوقت نفسه دليل على الرسالة العامة بلا شك.[59]
بديع الزمان النورسي
بعدة طرق لثبوت صدق النبوة، اهتماماً بالغاً واستنبط أدلة عقلية جديدة لم يسبق إليها
، ومن أهم تلك الطرق:
قرآنية عديدة لثبوت النبوة ورجحها على الأدلة الأخرى، حيث يقول: “إن القرآن الكريم
الذي هو بحر المعجزات، والمعجزة الكبرى يثبت النبوة الأحمدية، والوحدانية الإلهية إثباتا،ً
ويقيم حججا،ً ويسوق براهين، ويبرز أدلة تغني عن كل برهان آخر”.[60] 2- دلائل الآفاق
ونظام الكون: إن الإمام النورسي ينطلق في آفاق الكون والحياة مستدلاً بالدلائل المتنوعة
على ضرورة النبوة والرسالة، ومن هذه الدلائل:
سر ناظم الكون ضرورة النبوة للبشرية، ذلك أن “القدرة الإلهية التي لا تترك النمل
من دون أمير، والنحل من دون يعسوب، لا تترك البشر من دون نبي، ومن دون شريعة”.[61]
في حياة الكون تدل على ضرورة النبوة. “نعم؛ ما دام الكون قد خلق لأجل الحياة،
وأن الحياة هي أعظم تجل وأكمل نقش، وأجمل صنعة للحي القيوم جل جلاله، ومادامت حياته
السرمدية الخالدة تظهر وتكشف عن نفسها بإرسال الرسل وإنزال الكتب…”.[62]
“هي شهادة الكون القوية بشهادة الكائنات بغايتها وبالمقاصد الإلهية فيها على الرسالة
المحمدية الجامعة؛ بسبب توقف حصول غايات الكائنات والمقاصد الإلهية منها، … وتحقق
حكم حقائقها على الرسالة الإنسانية، لا سيما على الرسالة المحمدية”.[63]
النبي ﷺ الذاتية والمعنوية
للنبي ﷺ وهي من الأدلة الأنفسية، ومن أهم هذه الأدلة.[64]:
الاجتماعية.[68]
الحقيقة.[69]
حتى إن إسناد المعجزات إلى السحر الذي يورده القرآن الكريم في مواضع كثيرة على لسان
الكفار، الألداء ليشير إلى أنهم لم ينكروا وقوع المعجزات ولم يسعهم ذلك، وإنما أسندوها
إلى السحر خداعا لأنفسهم وتغريرا بأتباعهم”.[71]
وتُعدّ من دلائل النبوة، لعلاقتها بها. وذكر الأستاذ ثلاتة دلائل فيها: إخبار التوراة
والإنجيل والزبر به[72]، وأخبار الكهان والأولياء العرفين بالله في عهد الفترة[73]،
والآيات والحوادث التي ظهرت عند مولوده.[74]
أبي الحسن علي الندوي
إثبات نبوة محمد ﷺ، كما يلجأ إلى الأدلة العقلية، وأقوال العلماء غير المسلمين فيه،
وأدلة بطلان الديانات الأخرى وغيرها من المناهج العلمية. وأهم طرقه لإثبات النبوة كما
تلي:
أدلة كثيرة من القرآن الكريم لإثبات النبوة عامة، وللرسل المذكور في القرآن خاصة، حتى
ألف كتابه “النبوة والأنبياء في ضوء القرآن” وتحدث فيه عن النبوة، حاجة الإنسان
إليها، وفضلها على المدنية، وسماتها وخصائص الأنبياء ومهماتهم ووظائفهم المقدسة، وعظمة
البعثة المحمدية، ومأثرة النبوة المحمدية، ودلائل ختم النبوة وغير ذلك. وبين كل ذلك
في ضوء القرآن الكريم فاستدل فكره وقوله بالآيات القرآنية التي لا تحصاها في هذا المجال.
التي وردت في معنى أن محمد ﷺ هو آخر الرسل وخاتم الأنبياء، واقتصر الشيخ على خمسة أحاديث.[75]
النبوة بعد النبي ﷺ، وأنه لا نبي بعده في كل مفهوم من مفاهيم هذه الكلمة العربية التي
كانوا يحسنون فهمها. ثم أجمع المسلمون في كل عصر على انقطاع النبوة بعد محمد ﷺ.[76]
أدلة عقلية لثبوت نبوة خاتم الأنبياء، نذكر في التالية أهم الأدلة:
والرسول الخاتم: ذكر الإمام: “وكذلك قد وصف القرآن صاحب الرسالة الأخيرة الذي
ختم به الأنبياء بصفات تشير إشارة بليغة إلى خلود رسالته، وكونه قدوة صالحة، وأسوة
حسنة، في كل عصر وجيل، ولكل طبقة من الناس، من غير تقييد بزمان أو مكان…”.[77]
كلها: ولما كان محد ﷺ هو القدوة الصالحة، والأسوة الحسنة لطبقات الناس جميعا، وللأجيال
البشرية على اختلاف الزمان والمكان، اتجهت عناية الله إلى حفظ أخباره وآثاره، وصفاته
وأخلاقه وعادته. فتجلت هذه العناية الإلهية بكل وضوح في الحديث الشريف والسيرة النبوية
وفي كتب الشمائل. وكل ذلك يدل على أنه خاتم النبين الذي هو قدوة دائمة للبشرية.[78]
والتعديل: كانت الديانات والرسالة القديمة بعضها محدودة في شعب، أو مختصة بإقليم، أو
خاصة بفترة زمنية قصيرة أو طويلة. وأعلن القرآن انتهاء تلك الشرائع السماوية وأوجب
على إجابة النبوة الجديدة التي تتصل بعمومها للأمم والشعوب، وطبقات الناس جميعا. والتي
لا تحتاج إلى التطوير والتعديل، بل مسألة التغيير والتسهيل توافق بها طبيعيا، حيث يقول
الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة،
185][79]
القرآن الكريم منه: ما زالت الصحف السماوية السابقة للقرآن عرضة للتحريف والتبديل،
والضياع والتلف، فإن الله سبحانه وتعالى لم يتكفل بحفظها وبقائها، بل استند ذلك إلى
علمائها وحملتها، ولم تحتج إليها البشرية أو الأمم التي خوطبت بها، إلا لفترة من الزمان.
(الندوي، 2000م) وعلى العكس، أنزل الله القرآن هدى للناس كأخر الكتب المنزلة ومصدقا
لما أنزل قبله، ووعد بحفظه من التحريف والتبديل وزيادة ونقص. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ
الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
[فصلت، 41 – 42] وكذلك من كل مسخ وعبث ومحو من الذاكرة بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر، 9]
على سلامة العقيدة: وقد استدل الشيخ بمطالعة كل من “العهد القديم”، و”العهد
الجديد” و”دائرة معارف الأديان والأخلاق”، وThi
didache وغيرها
من الكتب بأن عددا كبيرا من أصحاب الطموح، وعشاق الجاه والزعامة الدينية تزعموا النبوة
والكهانة، والاتصال بعالم الغيب اتصالا مباشرا معتمدين في ذلك على رؤى وأحلام كانوا
يرونها، فيودي ذلك إلى فتنة عظيمة في المجتمع على سلامة العقيدة ووحدة الديانة.[80]
يقول الشيخ فيه: “وقد دلت دراسة الكون، وتتبع سنن الله في هذا العلم الفسيح، وفي
ماضي الأمم وحاضرها، أنه لا فضول عنده ولا تقصير، وأن كل شيء عنده بمقدار… فلو لم
يقم دليل نقلي على اختتام النبوة على محمد ﷺ لعرفنا بحكم العقل أن النبوة الجديدة التي
يمتحن بها البشر بعد النبوة المحمدية إرهاق للبشرية فيما لا لزوم له، وجهاد في غير
جهاد، ومخالف لما عرفناه من سنن الله في خلقه
وفي هذا العالم.”[81]
من أفراد الأمة بل من أفراد البشر عذر في عدم الوصول إلى مراتب اليقين، وأعلى درجات
القرب والوصول، وغاية الرضاء والقبول، وتزكية النفس وتهذيب الأخلاق إلا ضعف إرادته
وفتور همته، وإخلاده إلى الأرض واتباع الهوى، أو جهله للقرآن والحديث، وإلا فهذا الدين
زاخر بالحياة والقوة والجدة، متكفل بجميع السعادات الدنيوية والأخروية، يبلغ الإنسان
بالعمل به إلى درجة من درجات القرب والسمو والكمال، ليست فوقها إلا النبوة.[82]
والشيخ الندوي اهتما بموضوع النبوة اهتماما بالغا، وفصلا تعريفها، وحاجة الناس إليها،
ومهمتها بالتصريح والعبارة تارة بالتلميح والإشارة، حتى ادعى
راضي[83] – وهو يتحدث عن النورسي- بأنه تجمع لديه أكثر من مائتين وثلاثين (230) موضعا
عرض فيها لموضوع النبوة، ما يقارب من سبعمائة وتسعين (790) صفحة من مجموع رسائل النور
المحققة. ومن جانب أخر يوجد خمسة كتب مستقلة للشيخ الندوي كتبها في موضوع النبوة، علاوة
على ما كتبه في كتب أخرى كموضوع متصل. كما أن الشيخين أثبتا ضرورة النبوة وأهميتها
بمنهج مستقل، وأدلة متعددة، بعضها متشابهة بينهما وبعضها منفرد لأحدهما. وبناء عليه يمكن لنا تقييم عملهما والمقارنة بينهما
كما في التالية:
لمهمة النبوة والرسالة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ
يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
[الحج: 75] وهذا الاصطفاء والاختيار منة إلهية امتن الله بها على الأنبياء والمرسلين
فلم يصلوا إليها بكسب ولا جهد، ولا كانت ثمرة لعمل أو رياضة للنفس قاموا بها كما يزعم
الضلال من الفلاسفة.
فهم النبوة، حيث إنهم اعتمدوا فيها على العقل، والعلم، والذكاء، وإلمام ببعض العلوم
والصنائع، فخاضوا في موضوع الإلهيات والذات والصفات، والنبوة، والخلق والإبداع منهجهم،
فجاءوا بالسخيف المرذول، وبالمتهافت المتساقط، وبالمتناقص المتضاد. وقد حق عليهم قوله
تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ
فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[آل عمران، 66]
وبين الإقناع والإمتاع، إقناع العقل وإمتاع الروح معا، وهما في كلا الحالتين يدلل على
ما يقوله، ويعرضه بأدلة عقلية تناقش القضية المعروضة من جميع جوانبها، حتى يقول النورسي:
“إن من الواجب إثبات النبوة من الأدلة العقلية لا من الأدلة النقلية” (النورسي،
2002، 310).
عليهم السلام ومهماتهم الديني والاجتماعي، ومن أهم هذه الوظائف: دعوة إلى معرفة الله
تعالى، تحقيق العبودية لله الواحد الأحد، تعمير الكون وازدهار المدنية، إثبات الحشر
والآخرة، إقامة العدل وغيرها.
وسنن الله تعالى فيه مهم جدا في فهم وإثبات ضرورة النبوة. شاركا الشيخان في استخدام
وتفصيل هذه الوسيلة في بيان ضرورة النبوة وإثباتها. هذا يدل على المنهج القرآني الذي
ذكر الله في التنزيل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة : 164].
ومن أهمها:
في مباحث دلائل النبوة، وهي: حقائق الإيمان، وأسماء الله الحسنى، وتأثيره في العالم
من خلال سرعة انتشار دينه، وكثرة من صدقه على مر العصور، وكثرة بالعبادة قلوبَ الموحدين،
وشهادة الآل ﷺ، وتوحيده والأصحاب والعلماء، ونظام عالم الحيوان، والحياة،كل ذلك أدلة
صادقة على نبوته.
القارئ عند قراءته، مثل: رشحات من بحر معرفة النبي ﷺ، وشعاعات من معرفة النبي ﷺ، والكلمة،
كما في الكلمة: 19 و31، واللمعة، كما في اللمعة: 11 و30، والمكتوب، كما في المكتوب
التاسع عشر، واستعمل فيه مصطلح الإشارة البلغية تارة، والإشارة فقط تارة أخرى، وأكثر
من الشواهد النقلية التي تثبت نبوته، ولم يستخدم أسلوب الأبواب والفصول والمباحث.
وفي فهم السنة عموماً لا سيما عند حديثه عن الأخبار الغيبية المستقبلية، فقد ذكر ستة
أسس تعد مقدمات لتوضيح هذه الحقائق.
سعادة للإنسان ولا نجاة له بغيره بــ”علم النجاة”. حيث هو العلم الذي يعرف
به الإنسان خالقه وفاطر هذا الكون، ومدبر هذا العالم، وصفاته العالية، والصلة التي
بينه وبين عبده، وموقف الإنسان في هذا الكون وموقفه من ربه، والمسائل المتعلقة بنجاته
في الآخرة.
قيادة الأنبياء عليهم السلام، واستعمل “قيادة المعصومين”. فبين خطأ وإخفاق
القيادة البشرية البعيدة عن تعاليم الأنبياء ومعرفة الوحي بأن الإنسان في أمس الحاجة
إلى قادة أمناء معصومين من الضلال والأوهام والأخطاء.
وتحريف الكتب السابقة، كما عرض نقصان وبطلان الديانات الوضعية من البوذية والهندوسية
وغيرهما. واقتبس الأدلة من “العهد القديم”، و”العهد الجديد” و”دائرة
معارف الأديان والأخلاق”، وThi didache وغيرها، ومن أقوال العلماء غير المسلمين لثبوت النبوة
الخاتمة.
أهم نتائج البحث وهي:
وأهميتها وحاجة البشرية إليها وثبوتها بالأدلة المتعددة من النقلية والعقليية والآفقية
والأنفسية وغيرها.
كثيرا، لكنه استخرجها من القرآن، ولأن منكري النبوة لا يؤمنون بالقرآن كتابا منزلا
من عند لله، وهذا يفسر لنا ما كان يراه من أن الواجب إثبات النبوة من الأدلة العقلية،
لا من الأدلة النقلية.
والأنبياء أقرب منهج من مناهج علمية.
حصر في بيان خصائص النبوة، وضلال الفلسفة في فهم حقيقة النبوة، وظائف الأنبياء ومهماتهم،
وأهمية دراسة الكون في إدراك النبوة.
في هذا المجال، وسبق ذكرها.
البحث بما تلي:
موضوع النبوة وأهميتها في فكر بديع الزمان النورسي بجمع وترتيب العبارات المتعلقة بها
في رسائل النور ومؤلفات النورسي الأخرى.
حتى يتضح بعض المواضع التي تحتاج إلى الشرح والتعليق والتسهيل.
أجمعين.
المشارك بالقسم العربي جامعة شيتاغونغ، بنغلاديش nayamatcu@gmail.com
قسم الفقه وأصول الفقه، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، ruh1987@yahoo.com
Bediuzzaman Said Nursi “Wonder of the Age”, Tughra Books, New Jersey, 2011, p.
12; Sukran Vahide, Bediuzzaman Said Nursi Author of the Risale-I Nur, Islamic
Book Trust, Kuala Lumpur, 2011, p. 7.
المسلمين، مؤلف رسائل النور ومؤسس جماعة النور بديع الزمان سعيد النورسي: نظرة
عامة عن حياته وآثاره، http://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=
بديع_الزمان_سعيد_النورسي. تاريخ الاستفادة: 30/01/2015م؛
ويكيبيديا الموسوعة الحرة، بديع الزمان سعيد النورسي، آخر تعديل لهذه الصفحة 11/1/
2015م، http://ar.wikipedia.org/wiki/
بديع_الزمان_سعيد_النورسي. تاريخ الاستفادة: 30/01/2015م؛ مؤسسة
اسطنبول للثقافة والعلوم، جوانب من حياة بديع الزمان سعيد النورسي،
بديع-الزمان-سعيد-النورسي-بالعربية/http://www.iikv.org/ar، تاريخ الاستفادة: 30/01/2015م.
Horkuc, Said Nursi. Oxford Centre for Islamic Studies, London & New York,
2009, P. 17; Balci, Bediuzzaman Said Nursi, p. 7.
الإخوان المسلمين، مؤلف رسائل النور ومؤسس جماعة النور بديع الزمان سعيد النورسي:
نظرة عامة عن حياته وآثاره، ويكيبيديا
الموسوعة الحرة، بديع الزمان سعيد النورسي؛ مؤسسة اسطنبول للثقافة والعلوم، جوانب
من حياة بديع الزمان سعيد النورسي.
الندوي الداعية الحكيم والمربي الجليل، دار القلم، دمشق، 1421ه/2001م، ص23-39؛
محمد أكرم الندوي، أبو الحسن الندوي العالم المربي والداعية الحكيم، دار القلم،
دمشق، 1427ه/2006م، ص40-72؛ سيد عبد الماجد الغوري، أبو الحسن الندوي الإمام
المفكر الداعية المربي الأديب، دار ابن كثير، دمشق وبيروت، ط2، 1426ه/2005م، ص
129-135.
أبو_الحسن_الندوي تاريخ الاستفادة: 30/01/2015م؛ ويكيبيديا
الإخوان المسلمين، الشيخ أبو الحسن علي الندوي، http://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=
أبو_الحسن_علي_الندوي تاريخ الاستفادة: 30/01/2015م.
والأنبياء في ضوء القرآن، دار القلم، دمشق،
ط4، 1420ه/2000م، ص83.
الكتب العلمي، بيروت، 2000م، ص275.
كلمة النبوة وأحيانا الرسالة، سوف يأتي بيانه.
سوزلر، اسطنبول، 1992م، ص127.
النوري، دار سوزلر، اسطنبول، 1992م، ص55.
سوزلر، اسطنبول، 1992م، ص310.
ترجمة إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، اسطنبول، 1995م، ص120.
مظان الإيجاز، دار سوزلر، اسطنبول، 2002م، ص23.
النوري، دار سوزلر، اسطنبول، 1992م، ص123.
النبوة: مفهومه ومهامه ، قراءة في رسائل النور”، بحث مقدم للمؤتمر العالمي
العاشر دور النبوة ومكانتها في البحث عن الحقيقة من منظور رسائل النور الذي تقيمه
مؤسسة الثقافة والعلوم – اسطنبول، 22-24 سبتمبر 2013م.
سوزلر، اسطنبول، 1992م، ص36.
سوزلر، اسطنبول، 1992م، ص113.
14؛
ص18-19.
الوسيلة الوحيدة للمعرفة الصحيحة والهداية الكاملة، المجمع الإسلامي العلمي،
لكهنؤ، 1988م، ص6-28.
الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1986م، ج1، ص46.
وضرورتها للإنسانية في فكر النورسي”، مجلة التجديد. الجامعة الإسلامية
العالمية ماليزيا. المجلد الثالث عشر، العدد الخامس والعشرون، 2009م.
الكلمات، ص132.
ص207.
“إثبات ضرورة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها بين الإمام الرباني السرهندي
والإمام بديع الزمان النورسي”، بحث مقدم للمؤتمر العالمي العاشر دور النبوة
ومكانتها في البحث عن الحقيقة من منظور رسائل النور الذي تقيمه مؤسسة الثقافة
والعلوم – استانبول ، 22-24 سبتمبر 2013م.
محمد عليه الصلاة والسلام في رسائل النور: دراسة وتحليل”. بحث مقدم للمؤتمر
العالمي العاشر دور النبوة ومكانتها في البحث عن الحقيقة من منظور رسائل النور
الذي تقيمه مؤسسة الثقافة والعلوم – استانبول ، 22-24 سبتمبر 2013م.
ص226.
1395ه/1975م، ص33-34؛ الندوي، النبوة والأنبياء في ضوء القرآن، ص136.
النبي الخاتم؛ ص 35.
النبي الخاتم، ص9.
النبي الخاتم، ص18.
بالتاريخ وأقوال العلماء غير المسلمين في كتابه “النبي الخاتم والدين الكامل
وما لهما من أهمية في تاريخ الأديان والملل“.
النبي الخاتم، ص 47.
للإنسانية في فكر النورسي“.
