لكن هؤلاء البرهميين الذكور لا يُنشدون المانترا الفيدية للغرض منها في حدِّ ذاتها، وهو الإبقاء على الوحي الإلهي؛ وإنما يؤدُّون أيضًا طقوسًا للحفاظ على العالَم وعلى العلاقة بين البشرية والآلهة. ويرتبطون بالدارما، التي تُترجَم أحيانًا بالدِّين، لكنَّ الترجمة الأدق لها هي الحقيقة أو القانون أو الواجب أو الالتزام. وللدارما استخدام عامٌّ واستخدام شخصيٌّ. فيجب الحفاظ على تناغم العالم، ويلزم أيضًا الوفاء بدارما الفرد الشخصية. وعمل البرهمن يدعم هذين المتطلبين. ومن خلال أداء طقوس تضحية (ياجنا) مشابهة للطقوس المذكورة في فيدا، يقدِّم البرهميون قرابين للآلهة في النار المقدسة ويلتمسون منهم الحفاظ على العالم الطبيعي وإنزال العطاء على عبادها. بعد ذلك، يؤهِّل البرهميون الهندوس لأدوار جديدة في مناسك خاصة مرتبطة بدورة الحياة (سامسكارا)؛ فبإعطاء الخيط المقدس في طقس أوبانايانا، يمنح البرهميون صفةَ «المولود مرتين» للذكور الصغار. وفي الزواج، يربطون الزوجَ والزوجة معًا، ويُؤهِّلونهما لمرحلة الزواج في الحياة. وفي المناسك المتعلقة بالميلاد، يضمن البرهميون الدخولَ الصحيح للطفل المولود حديثًا إلى المجتمع، ويساعدون الأسرة في التخلُّص من الدنس الناجم عن الولادة. وأخيرًا، في المراسم المرتبطة بالموت، يُسهِّلون الانتقالَ السلس للروح، ويتأكَّدون من خدمة الأسلاف على النحو الصحيح.
يحمل هذا الإدراك قدرًا كبيرًا من التشابه مع ما وصفه بعض الزهَّاد الهندوس الآخرين. وهو أيضًا ما عرَّفه الفلاسفة في تقليد شانكارا بأنه خبرة البراهمان؛ الحقيقة المطلقة الوحيدة التي تمثِّل في الوقت نفسه المبدأَ العامَّ والجانبَ الشخصيَّ أو الروحانيَّ لكلِّ شخصٍ (انظر الفصل الثالث). لكن أنانداماي ما لم تهتم بالتأمل أو الجدل الفلسفي، وإنما اهتمَّت بالوصول للحقيقة ومساعدة مَن يتلمَّسون منها العون. وشأنها شأن العديد من المعلِّمين الروحانيين الآخرين، سافرت كثيرًا، والْتَقت بتلاميذَ من كلِّ الطوائف وعبَّرت لهم عن ملاحظاتها. كانت تتحدث بعمليةٍ، مع الإشارة إلى العالم الطبيعي، والعلاقات، والحياة العادية. وكانت نصيحتها للناس بشأن تحقيق التقدم الروحاني بسيطةً ويسيرةً؛ فقد دعتْهم لتخصيص وقت محدَّد يُكرِّسون فيه أنفسَهم للحقيقة؛ وقتٍ يحاولون فيه الاعتدال في عاداتهم، ومساعدة الآخرين باعتبارهم تجلِّيات للإله، والسعي للسكينة. وشجَّعتْهم على أن يحذوا حذوها؛ أن ينشدوا أو يتأملوا ليدركوا تدريجيًّا طبيعتَهم الحقيقية.
وقد تمَّ تناول المشكلات المتعلقة بالعمل والميلاد المتكرر بعد عدة قرون في «بهاجافاد جيتا». ففيه نجد أرجونا يسأل سائق عجلته الحربية، كريشنا، إن كان يجب عليه الدخول في معركة ضد أحد أقاربه. ويقدِّم كريشنا، الذي هو في الحقيقة الإله الأعلى متنكرًا، التوجيهَ لأرجونا كمعلِّم رُوحاني مشيرًا إلى مسألة العمل النابع من الشعور بالواجب، وشارحًا رحلةَ الذات وسبل تحررها. ويوضِّح لأرجونا الحائر أن الذات أو الروح المتجسدة لا تموت في المعركة، وإنما تنتقل إلى جسد جديد: «لا يمكن طعنها، أو حرقها، أو بلُّها، أو تجفيفها. إنها غير متغيِّرة، وموجودة في كلِّ مكان، وثابتة، وغير متحركة، وخالدة.» ويذكِّر كريشنا أرجونا بواجبه الاجتماعي والديني (دارما) بصفته عضوًا في طبقة المحاربين، ويعلِّمه آداب العمل. ويفترض أرجونا أن كريشنا يؤمن بأنه يجب نبذ العمل، شأنه شأن الزهَّاد.
هذه القصة الهندية الشهيرة عن راما، التي رويت وتُذكِّرت وأُعيدت روايتها على مدار ما يزيد عن ألفين وخمسمائة من السنين، معروفةً لكل الهندوس ولعدد هائل من الناس الآخرين حول العالم؛ يسمعها الأطفال الهندوس الصغار من آبائهم أو أقاربهم، ويتعلَّمها الأطفال في المدارس عندما يحين عيد ديفالي، ويسمعها القرويُّون من الرواة أو يَرَوْنها تُعرَض على المسرح الشعبي (رامليلا) وفي عروض العرائس، واليوم صار بإمكان مَن لديه منهم أجهزة تليفزيون وفيديو تشغيل المسلسلات المفضلة لديهم حول هذه الملحمة وإعادة تشغيلها أكثر من مرة.
في القرنين السابع عشر والثامن عشر، شهد التجار والرحَّالة الأوروبيون أداء الهندوس للدارشانا لأول مرة، فكتبوا مُنتقدين الأمر في خطاباتهم ويومياتهم بوصفه «عبادة أوثان». وكررت البعثات التبشيرية المسيحية اللاحقة ردود الأفعال نفسها، فكان يُعَدُّ هذا النوع من العبادة ممقوتًا وضالًّا، لا سيما بين المسيحيين البروتستانت الذين يُدركون إلههم في الكلمة، لا في الصورة. وقد ذُهِل هؤلاء أيضًا من تعدد «الأوثان» لدى الهندوس، واستنتجوا أن الهندوس قوم مُشرِكون؛ أي يؤمنون بالعديد من الآلهة والإلهات؛ الأمر الذي كان خطأً من وجهة نظرهم، رغم أنه مدهش في الوقت نفسه؛ فإلههم — رغم أنه ثلاثة كيانات (الأب والابن والروح القدس) — هو إله واحد.
كيف يستجيب الهندوس لما هو إلهيٌّ ومقدَّسٌ؟ يستجيب الهندوس بتقديم العطايا والقرابين لهم واسترضاء الأرواح، مثلما أوضحنا من قبل، وبطرق أخرى أيضًا؛ فيوجد لدى معظم الهندوس محراب منزليٌّ في المطبخ (الذي يُعَد أطهر مكان في المنزل) أو أي غرفة أخرى. يضعون في هذا المحراب صورًا ورسومًا لآلهتهم المختارة والأشخاص الأتقياء، وقد يقدمون لهم الطعام والماء والبخور والضوء كل يوم (انظر شكل ٥-٣). وعلى الرغم من أن بعض الهندوس قد يقوم بزيارات منتظمة لمعبد قريب لأداء طقس دارشانا، فمعظمهم لا يذهب إلى المعابد إلا في الأعياد (التي قد يصومون فيها أيضًا، ويأكلون أطعمة معينة، ويزورون الأقارب، ويقدمون الهدايا). الأوقات المقدَّسة والأعياد الهندوسية
ميناكشي هي الإلهة الرئيسية لمدينة مادوراي، وليس زوجُها. وتُعبَد أحيانًا وحدها، وإن كان يَحتفل بمناسبة زواجها من سونداريشفارا نحو خمسين ألف حاجٍّ سنويًّا. وفي كل يوم من أيام العبادة العامة التي يقيمها كهنة المعبد لصالح الجميع، وبعد أن يتم تمجيدهما وإمطارهما بوابل من العطايا، تُنقَل صورة محمولة لسونداريشفارا بنحو احتفاليٍّ إلى غرفة نوم ميناكشي؛ حيث تُنشَد الأناشيد للإلهين ويُهزان في أرجوحتهما قبل قضاء الليلة معًا خلف الأبواب المغلقة.
من الشخصيات التي كانت أقل تأثرًا بالوضع الاستعماري في الهند راماكريشنا (١٨٣٦–١٨٨٦). ولِد راماكريشنا في أسرة برهمية فقيرة، وصار كاهنًا للإلهة كالي في معبد داكشينسوار بالقرب من كلكتا. وأَسَّس علاقة قوية مع الأم العظيمة كالي التي رآها لاحقًا متجسِّدة في زوجته الشابة، سارادا. وقد خاض أيضًا رحلة روحانية داخلية تعلَّم فيها الفروع المعرفية التنترية، وجرَّب وحدانية رؤية الأدفايتا، واستمتع بحب كريشنا، واستكشف الروحانية المسيحية والإسلامية. وقد أَلْهَمَتْ أفكارُه المتعمِّقة وسلوكُه الصوفيُّ الكثيرَ من الناس، خاصةً ناريندراناث داتا (١٨٦٣–١٩٠٢) المتشكك الذي حصل على تعليم بريطاني، وقد كان ذلك التابع، الذي اتخذ لنفسه اسم فيفيكاناندا فيما بعد، هو الذي أعطى شكلًا أيديولوجيًّا ومؤسسيًّا لرؤية معلِّمه الروحاني. لكن سارادا ديفي كانت هي المحور الروحاني للعديد من أتباع زوجها، بوصفها تجسيدًا للإلهة كالي.
واستمر النشاط السياسي هذا من عشرينيات القرن العشرين حتى استقلال الهند عام ١٩٤٧، وانضمَّتِ النساء في خلال تلك الفترة إلى الرجال في حملات للعصيان المدني نظَّمها غاندي في إطار سعْيِه لتحقيق الحكم الذاتي للهند. وناضلت النساء من أجل السماح لهن بالمشاركة في «مسيرة الملح» عام ١٩٣٠ للاعتراض على الضريبة التي فرضها البريطانيون على الملح، وتمَّ تنصيبهن آنذاك قائدات للعديد من المجموعات التي نُظِّمت لخرق قوانين الملح، ومقاطعة استخدام القماش الأجنبي، وتطوير الصناعات المنزلية، وتنظيم الإضرابات والمظاهرات. واعتُقِل الكثير من النساء لمشاركتهن في هذه الأعمال.
تاريخيًّا، نَشَرَ البوذيون والمسيحيون والمسلمون أفكارهم وممارساتهم الدينية عن طريق الدعوة والغزو، وصاروا الآن يمثلون الأغلبية بين سكان العديد من الدول المختلفة، أما الغالبية العظمى من هندوس العالم، فيعيشون في دولة الهند العلمانية؛ حيث يمثِّلون نحو ٧٨ بالمائة من إجمالي عدد السكان البالغ ٩٠٠ مليون نسمة، وفي نيبال، حيث الهندوسية دين الدولة، ٩٠ بالمائة من النيباليين هندوس. يبدو أن ذلك يدعم بقوةٍ فكرةَ أن الهندوسية دين عِرقي أكثر من كوْنه دينًا عالميًّا يحمل رسالة لكل البشر بغض النظر عن ميلادهم ومكانهم.
شكل ٩-١: مشهد لشارع في بومباي.
تشبه الهندوسية البقرة بعض الشيء؛ إذ تختلف نظرة غير الهندوس عن نظرة الهندوس لها. والهندوس أنفسهم لا يفكرون جميعهم بالطريقة نفسها، وذلك مثلما رأينا في الفصول السابقة. وقد يكون من الملائم تعريف الهندوسية تعريفًا بسيطًا أو تصنيفها على نحو دقيق، لكنها لا تقبل هذه المعاملة؛ فتعريف البقرة بأنها حيوان أو الهندوسية بأنها ديانة لا يوضح لنا الكثير بالتأكيد؛ فما نوع الحيوان؟ وما نوع الديانة؟ وماذا عن أهميتهما الرمزية بين الهندوس؟
الفصل الثاني
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
مراجع
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع

















