26
أَبِالْقَلْبِ نَارٌ أَمْ بِمَ النَّفْسُ تَجْزَعُ |
أَمِ الْعَيْنُ يَغْشَاهَا الخيَاَلُ فَتَفْزَعُ | |
كأنَّ الدُّجَى تَغْشَى فُؤَادِي مَشَاعِرِي |
كَأَنِّي عَلَى مَتْنِ الصَّوَارِمِ أُضْجَعُ | |
أرَى فيِ وُجُوهِ النَّاسِ غَماًّ وَحَيْرَةً |
أَحَقٌّ – عَزِيزِي- مَا أَرَاهُ وَأَسْمَعُ | |
وَلَكِنَّنِي أَيْقَنْتُ بِالنَّعْيِ آسِفاً |
فَيَنْشَقُّ مِنْهُ الذِّهْنُ، وَالْعَيْنُ تُدْمِعُ | |
فَصَبْراً- هَدَاكَ اللهُ- قَدْ عَمَّنَا الْبَلاَ |
فَإِنَّ القَضَا حَتْمٌ، وَلاَ المَوْتُ يُدْفَعُ | |
فَلَوْ كاَنَ نَفْعُ الشَّخْصِ يُبْقِي حَيَاتَهُ |
لَكاَنَ بِهَا أَحْرَى النَّبِيُّ المُشَفَّعُ | |
وَلَكِنَّ نَعْيَ الشَّيْخِ يُبْكِي نُفُوسَنَا |
وَيَجْعَلُنَا فيِ حَيْرَةٍ نَتَوَجَّعُ | |
وَأَعْنِي بِهِ شَيْخَ الشُّيُوخِ مُحَمَّداً |
وَبِالشَّيْخِ كَاضَمْبَادِ فيِ الْقَوْمِ يُسْمَعُ | |
(بِأَجْوَدِ) حِينٍ شَهْرَ (حَجٍّ) رَحِيلُهُ |
(يُجَلِّلُهُ) عُمْرٌ بِأُخْرَاهُ مُولَعُ([1]) ، | |
(بَلاَئِي بِمَوْتِ الشَّيْخِ)([2]) يُوهِنُ هِمَّتِي |
فَقَدْ فَاتَنِي حِرْزٌ وَعَوْنٌ وَمَرْجِعُ | |
وَيَكْفِيهِ فَضْلاً شَاهِداً مَنْ تَجَمَّعُوا |
بِقَرْيَةِ كاَضَمْبَادِ، حَتَّى يُشَيِّعُوا | |
فَكَمْ مِنْ جُمُوعٍ قَدْ وَفَوْهَا وَأُشْرِبُوا |
كُؤُوسَ الأَسَى، صَلَّوْا عَلَيْهِ وَوَدَّعُوا | |
إِذَا مَا أَحَبَّ اللهُ شَخْصاً يُحِبُّهُ |
جَمِيعُ الْوَرَى فيِ الأَرْضِ فَالْعِزُّ يُوضَعُ | |
نَسِيبٌ عَرِيقُ الْمَجْدِ ذُو الْفَضْلِ وَالتُّقَى |
عَلِيمٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ مُتَوَرِّعُ | |
بَهِيُّ الْمُحَيَّا، بَلْ مُهَابٌ وِجَاهُهُ |
يَلُوحُ بِهِ نُورُ الْجَلاَلِ وَيَلْمَعُ | |
خَطِيبٌ إذَا مَا قَامَ يُلْقِي كَلاَمَهُ |
عُيُونُ فُنُونِ الْعِلْمِ مِنْ فِيهِ تَنْبُعُ | |
حَكِيمٌ طَوِيلُ الصُّمْتِ، بِالْفِكْرِ مُغْرَقٌ |
صَبُورٌ عَلَى الْبَلْوَاءِ، لِلّهِ يَخْضَعُ | |
زَعِيمٌ رَؤُوفُ الْقَلْبِ ذُو الْحِلْمِ وَالنُّهَى |
تَجَمَّعَ فيِ أَخْلاَقِهِ الخَيْرُ أَجْمَعُ | |
تَرَبَّى بِأَيْدِي الْفَاضِلِينَ وَحُبِّهِمْ |
فَلاَ زَالَ يَرْقَى فيِ الْعُلُومِ وَيُبْدِعُ | |
بِكُوتُومَلَ النِّحْرِيرِ أَضْحَى مُلاَزِماً |
كَمَا سَارَ مُوسَى خَلْفَهُ الحِبُّ يُوشَعُ | |
وَلاَ زَالَ بِالتَّدْرِيسِ وَالْوَعْظِ قَائِماًًً |
بِشَتَّى بِلاَدٍ، إذْ بِهِ الْعِلْمُ يُرْفَعُ | |
حَدِيثاً وَتَفْسِيراً وَفِقْهاً بَلاغَةً |
وَنَحْواً وَصَرْفاً كُلَّهَا كَانَ يَجْمَعُ | |
وَآلاَفُ طُلاَّبٍ أَتَوْا رَوْمَ عِلْمِهِ |
فَلاَ زَالَ يُرْضِيهِمْ وَبِالْعِلْمِ يَنْفَعُ | |
كَنَهْلٍ إِلَيْهِ الْوَارِدُونَ تَهَرْوَلُوا |
فَيُرْوِي النُّفُوسَ الصَّادِياَتِ وَيُشْبِعُ | |
بِجَذَّابِ أُسْلُوبٍ بِهِ السَّمْعُ يَمْتَعُ |
وَتَحْقِيقِ عَلاَّمٍ بِهِ الْعَقْلُ يَسْطَعُ | |
إِذَا جَاءَ بُلْهٌ دَرْسَهُ أَوْ أُولُو النُّهَى |
فَلَمْ يُصْدِرُوا عَنْ دَرْسِهِ قَبْلَ أنْ يَعُوا | |
بِجَمْعِيَّةٍ لِلْعَالِمِينَ بِكَيْرَلاَ |
تَرَأَّسَ أَعْوَاماً يُطَاعُ وَيُسْمَعُ | |
وَفيِ لَجْنَةِ الْفَتْوَى لَهَا كَانَ بَارِعاً |
فَأَعْلِمْ بِهِ شَيْخاً يُرَادُ وَيُتْبَعُ | |
وَقَدْ كَانَ شَيْخاً بَارِزاً مُتَمَيِّزاً |
بِجَامِعَةٍ نُوريَّةٍ كَانَ يَبْرَعُ | |
عَنِ الْعِلْمِ لَمْ يُمْنَعْ إلىَ يَوْمِ مَوْتِهِ |
فَأَعْظِمْ بِهِ فَضْلاً، بِهِ الْمَرْءُ يَمْتَعُ | |
وَأَعْرَضَ عَنْ هَذِي الزَّخَارِفِ كُلِّهَا |
بِعَيْشٍ زَهِيدٍ كَانَ يَرْضَى وَيَقْنَعُ | |
قَضَى الْعَيْشَ طُولَ الْعُمْرِ زُهْداً قَنَاعَةً |
بِكُوخٍ صَغِيرٍ دُونَ مَا هُوَ أَوْسَعُ | |
وَلَمْ يَخْشَ فيِ اللهِ الْعَلِيِّ مَلاَمَةً |
فَلاَ زَالَ طُولَ الْعَيْشِ بِالْحَقِّ يَصْدَعُ | |
تَصَدَّى لِأَهْلِ الزَّيْغِ وَالظُّلْمِ وَالْغَوَى |
وَكِلْمَتُهُ كَالسَّيْفِ فيِ النَّفْسِ أَوْقَعُ | |
بِهِ أُسْوَةٌ يَهْدِي بِهَا كُلَّ عَاقِلٍ |
فَسِرْ نَهْجَهُ، إنْ كُنْتَ فيِ الْعِزِّ تَطْمَعُ | |
وَتِسْعَةَ أَوْلاَدٍ وَزَوْجاً كَرِيمَةً |
تَفَارَقَهُمْ، أَضْحَى إلىَ اللهِ يَرْجِعُ | |
فَيَا رَبَّنَا ارْحَمْ شَيْخَنَا وَرَئِيسَناَ |
وَبُلَّ الثَّرَى فَضْلاً، فَفَضْلُكَ أَوْسَعُ | |
وَوَسِّعْ ضَرِيحَ الشَّيْخِ وَامْلَأْهُ بِالضِّيَا |
وَأَدْخِلْهُ جَنَّاتٍ لَهَا الْكُلُّ يَطْمَعُ | |
وَكُنْ لِضِيَاءِ الدِّينِ رَاثِيهِ بِالْعَطَا |
وَحِفْظاً لَهُ عَمَّا عَنِ الْخَيْرِ يَمْنَعُ | |
وَصَلِّ عَلَى الْهَادِي النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ |
وَآلٍ وَمَنْ فيِ نَهْجِهِمْ سَارَ يَتْبَعُ |
([1]) في البيت كلمة: (أجود) تشير إلى يوم وفاة الشيخ بحساب الجمل، وهو: الرابع عشر، وكلمة: (حج) تشير إلى شهر الوفاة، وهو الشهر الحادي عشر الذي هو ذو القعدة، وكلمة (يجلله) تشير إلى عمره حال الوفاة: وهو ثمانية وسبعون، وكل ذلك بدون الإخلال بالمعنى، فأردت بأجود حين أن موته كان بعد مضي المهرجان الكبير لجمعية العلماء لعموم كيرلا – التي كان الشيخ رئيسها آنذاك- بمناسبة مرور ثمانية وأربعين عاماً عليها، وأما قول: (شهر حج) فظاهر أن ذي القعدة من أشهر الحج، وجملة: (يجلله عمر بأخراه مولع) تدل على أنه كان زاهداً في الدنيا وزخارفها، وهو معروف لمن يعرفه.

